القدرية والجبرية ثمرة علم الكلام
... - وهذا النص يرد على من زعم ذم الشافعي إنما هو موجة للقدرية المعتزلة الذين كانوا ينفون القدر ، حيث أطلق الذم ولم يقيده بالقدر دون تأويل الصفات . ويؤكده ما رواه أشهب بن عبد العزيز عن الإمام مالك أنه قال"إياكم وأهل البدع ، قالوا: ما البدع ؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسمائه وصفاته وكلامه وقدرته ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة" [1] .
... - والأشاعرة لم يسكتوا عما سكت عنه السلف ، بل تكلموا بالجوهر والعرض والكسب والكلام النفساني والجزء الذي لا يتجزأ ومتعلقات الصفات وتأويلاتها . وخاضوا في القدر فقالوا بالجبر في مقابل المعتزلة القدرية . وأن العبد لا مشيئة له فيما يفعل عندهم ألا في أنه يكسب الفعل من الله فقط . فالمعتزلة يمثلون الإفراط والأشاعرة يمثلون التفريط وهما نتيجة علم الكلام .
... - وقد شهد الجويني على الأشعري مخالفته للحق في مسألة كسب العبد وأضطر هو والباقلاني وجماعة من الأشاعرة إلى مخالفته .
... والتعطيل واحد نتائج علم الكلام . ويؤكد ذلك قول الشافعي لمحمد بن الحكم"يا محمد إن سألك رجل عن شئ"من الكلام فلا تجيبه"وقوله"لا أحب أن ينسب إلى منه شئ" [2] . غير أن الحبشي ينسب علم الكلام إلى الشافعي ، وهو خلاف وصيته وخلاف ما حكاه الزبيدي أن الشافعي كان ينهي عن الاشتغال بعلم الكلام ويأمر بالاشتغال في الفقه [3] ."
-وقال"حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد ، ويحملوا على الإبل ، ويطاف بهم في العشائر والقبائل ، وينادي عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام" [4]
-واحتج بقول مالك في الرد على أهل الكلام فقال"محال أن نظن بالنبي صلي الله عليه وسلم أنه علم أمته الاستنجاء ، ولم يعلمهم التوحيد" [5] .
-وكان مالك يقول"أوكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبريل على محمد بالنبي صلي الله عليه وسلم لجدله" [6]
-وذكر البخاري عن ابي الزناد أنه قال"لا يقيم ( المجادلون على أمر - وأن أعجبهم - إلا نقلهم الجدل إلى أمر سواه ، فهم كل يوم في شبهه جديدة ودين ضلال ) [7] ."
-ولهذا لم يكن السلف يناظرون أهل البدع على طريقة أهل البدع بل كانوا يفحمونهم بكتاب الله وسنة رسوله بالنبي صلي الله عليه وسلم . ولما قيل لعبد الرحمن بن مهدي"إن فلانًا صنف كتبًا يرد فيها على المبتدعة . قال: بأي شئ: بالكتاب والسنة ؟ قالوا: لا ولكن بعلم المعقول والنظر فقال: أخطأ السنة . ورد بدعة ببدعة" [8]
(1) ذكره البغوي في شرح السنة 1 / 217 والصابوني في عقيدة السلف وأصحاب الحديث 51 .
(2) سير أعلام النبلاء 10 / 28 و 31 .
(3) اتحاف السادة المتقين 2 / 11 .
(4) سير ألاعلام 10 / 29 صون المنطق 65 الحلية لأبي نعيم 9 / 0116 ومناقب الشافعي للبيهقي 1 / 462 .
(5) سير أعلام النبلاء 10 / 26 .
(6) سير أعلام النبلاء 8 / 99 حلية الأولياء 6 / 324 .
(7) رواة البخاري في خلق أفعال العباد 89 .
(8) صون المنطق 131 للسيوطي