موقف الحافظ ابن حجر من علم الكلام
ولهذا كان الحافظ بن حجر يحذر من الدخول في متاهات ومغالطات الجوهر والعرض ، ولما لها من نتائج فاسدة قائلًا"وكان مما أمر به النبي: التوحيد . بل هو أصل ما أمر به ، فلم يترك شيئًا من أمور الدين الا بلغه ، ثم لم يدع إلى الاستدلال بما تمسكوا به من الجوهر والعرض" [1] . قال"فالحذر من كلامهم والاكتراث بمقالاتهم فإنها سريعة التهافت" [2] .
... نقل عن أبي المظفر السمعاني"بيان فساد طريقة"المتكلمين في تقسيم الأشياء إلى جسم وجوهر وعرض . وزعمهم أن الجسم ما اجتمع من الافتراق ، والجوهر ما حمل العرض ، والعرض ما لا يقوم بنفسه"فجعلوا الروح من الأعراض" [3] .
... قال: فالجوهر والعرض هما أهم دعائم العقيدة عند أهل الكلام والجدل ، ومن أبرز مصطلحات أهل الفلسفة والمنطق .
وبهذا يبطل زعم الحبشي أن"الجوهر والعرض من اصطلاح أهل التوحيد".
... أضاف:"و يكفي في الردع عن الخوض في طريق المتكلمين: ما ثبت عن الأئمة المتقدمين كعمر بن عبد العزيز ومالك والشافعي ، وقد قطع بعض الأئمة بأن الصحابة ماتوا لم يعرفوا الجوهر ولا العرض 00 وقد أفضي الكلام بكثير من أهله إلى الشك ، وببعضهم إلى الإلحاد"."وصح عن السلف أنهم نهوا عن علم الكلام وعدوه ذريعة للشك والارتياب" [4] .
... وصدق فيما قال ، فقد أفضي الكلام بالجويني إلى أن يصرح بنفي علم الله بالجزئيات مقارب بذلك لمذهب الفلاسفة فيقول"علم الله إذا تعلق بجواهر لا تناهي فمعني تعلقه بها استرساله عليها من غير غرض تفصيل الآحاد" [5] . مع أن له كلامًا أخر يخالف هذه الزلة الاعتزالية والتي جعلت ملة من العلماء يشنعون عليه بها كالمازري القائل"إنما سهل عليه ركوب هذا المذهب إدمانه النظر في مذهب أولئك"وقال الذهبي"هذه هفوة اعتزال هجر أبو المعالي عليها" [6] .
... ثم ذكر الحافظ قصة ندم الجويني عند موته على اشتغاله بعلم الكلام قال"وقد توسع من تأخر عن القرون الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم . ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان ، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلًا يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل ولو كان مستكرها . ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه هو من أشرف العلوم [7] . وأولادها بالتحصيل ، وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل 000 فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف واجتنب ما أحدثه الخلف" [8] .
... ثم بين موقف السلف من هذا العلم فقال"وأشتد إنكار السلف لذلك كأبي حنيفة وأبي يوسف الشافعي ، وكلامهم في ذم أهل الكلام مشهور . وسببه أنهم تكلموا فيما سكت عنه النبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه" [9] .
... في عبارة الحافظ رد على قول الحبشي إن أبا حنيفة والشافعي وأحمد كانا من أئمة علم الكلام والبارعين فيه وهذا خداع وتلبيس [10] . نعم روي عن أبي حنيفة ذلك ثم روي تراجعه عنه في قصة طويلة خلاصتها أنه قال"وكنت أعد الكلام أفضل العلوم فراجعت نفسي وتدبرت وقلت أن أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم والتابعين وأتباعهم لم يخوضوا بهذا العلم بل أمسكوا عن ذلك ونهوا أشد النهي 000 فلما ظهر لنا من أمورهم ذلك تركنا الخوض في الكلام ورجعنا إلى ما كان عليه السلف [11] ."
موقف الغزالي من علم الكلام
وطعنه في توحيد المتكلمين
وقد ضاق الغزالي ذرعًا بمن وصف علم الكلام ب ( علم التوحيد ) فقال"قد جعل التوحيد الآن عبارة عن صناعة الكلام 00 وسمي المتكلمون بعلماء التوحيد ، مع أن جميع خاصة هذه الصناعة لم يكن يعرف منها شئ في العصر الأول: بل كان يشتد منهم النكير على من كان يفتح بابًا من الجدل والمماراة [12] ."
قال"والدليل على مضرته: ما ثار من الفتن بين الخلق منذ نبغ المتكلمون" [13] .
... ووصف الغزالي المتكلمين بأنهم"من أشد الناس غلوًا ، كفروا عوام المسلمين وزعموا أن لم يعرف الكلام معرفتنا ، ولم يعرف العقائد الرعية بأدلتها التي حررناها فهو كافر ، وجعلوا الجنة وقفًا على شرذمة يسيرة من المتكلمين".
إلى أن قال مبديًا إنكاره الشديد على من زعم وجوب تعلم هذا العلم المبتدع:
..."فليت شعري: متي نقل عن رسوله الله صلي الله عليه وسلم وعن الصحابة رضي الله عنهم: إحضار أعرابي أسلم وقوله له: الدليل على أن العالم حادث أنه لا يخلو عن الأعراض . وما لا يخلو عن الحوادث حادث [14] . قال"بل لم يكلف الشرع أجلاف العرب أكثر من التصديق الجازم بظاهر هذه العقائد"ثم أكد إن جميع عقائد العوام مبادئها التلقين المحض [15] ."
... وقد حكي تجربته الفاشلة مع علم الكلام ثم قال"لم يكن الكلام في حقي كافيًا ولا لمرضي الذي كنت أشكو منه شافيًا 000 ولم يكن من كلام المتكلمين الا كلمات ظاهرة التناقض والفساد" [16]
صدق الغزالي وهم مكفرون:
(1) فتح الباري 13 / 507 .
(2) ولكن زعم السبكي وابن عساكر أن الأشعري رأي النبي صلي الله عليه وسلم قائلًا"أنا ما أمرتك بترك الكلام" (طبقات السبكي 3 / 348محققة ) .
(3) أي كيف تكون الروح عرضًا مع أن الجسم لا يقوم إلا بها .
(4) فتح الباري 13 / 350 - 352 .
(5) البرهان في أصول الفقه 1 / 145 .
(6) سير أعلام النبلاء 18 / 472 .
(7) وهو كقول الحبشي الذي ذكرته في أول هذا الباب .
(8) فتح الباري 13 / 350 - 352 .
(9) فتح الباري 13 / 253 .
(10) أنظر الدليل القويم 4 و 5 .
(11) مفتاح السعادة طاش كبري زادة 2: 136 نقلًا عن المرغيناني وذكره في كشف البزدوي .
(12) أنظر أحياء علوم الدين 1 / 95 لكن المماراة التي هي الاشتغال بعلم الكلام عند الحبشي من الأسس التي وضعها أهل السنة والجماعة
( أنظر كتابة إظهار العقيدة السنية 164 ) ولعله يعني بذلك حفنة الجهمية والمعتزلة ومن تفرع منهم من أصحابه .
(13) إتحاف السادة المتقين شرح أحياء علوم الدين .
(14) فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة 150 - 151 واحتج بها السيوطي في صون المنطق 185 .
(15) أحياء علوم الدين 1 / 94 .
(16) المنقذ من الضلال 14 - 17 .