... وما موقف الحبشي من هذه الحقيقة الفاضحة ؟ إنها فاضحة المتعصبين الذين لا يهمهم ضياع الناس وفساد عقائدهم بقدر ما يهمهم صيانة مذهب الأباء والأجداد ، الذين يأبون إلا أن يحيوا مبادئ علم الوسوسة التي أنشئ على وزنها لفظ الفلسفة .
وهذه سنة الله في خلقه .
فالمتكلمون ينتهون إلى الشك .
والمتصوفون ينتهون إلى الشطح .
... ثالثًا: هذه كتب الشافعي وأحمد ومالك ليس فيها شئ من الكلام عن الأعراض والجواهر الذي ملأ الحبشي به كتابه . مع أنهم تكلموا في العقائد كثيرًا ، ولم يرد على لسانهم ذكر لأهل الكلام إلا على مورد الذم والتحذير منهم وقد نص أحمد وابن المديني أن"من خاض في شئ من علم الكلام لا يعتبر من أهل السنة وإن أصاب بكلامه السنة حتى يدع الجدل ويسلم للنصوص" [1]
وروي المروذي عن أحمد أنه قال
"لا يفلح من تعاطي الكلام ، ولا يخلو من يتجهم" [2] أي يصير جهميًا ويذكر ابن الجوزي أن أحمد كان يكره الكلام ويمنع منه ويغضب لسماعه ويقرأ ( وهم يجادلون في الله ) [3] .
... فإن كان الحبشي صادقًا في زعمه أن الشافعي تكلم على طريقة أهل الكلام فليأت بشئ من كتبه تضمن الكلام في العقائد طريقة الحادث والمحدث والعرض والجوهر .
... وسبقه إلى هذا الزعم أشاعرة متقدمون كأبي منصور البغدادي [4] فقد زعم أن على بن أبي طالب وأبن عمر وعمر بن عبد العزيز والشافعي وأبا حنيفة من أرباب علم الكلام [5] . ويدحض قوله ما نقله السيوطي عن الخطابي أنه قال"لو كان في الصحابة قوم يذهبون مذاهب هؤلاء في الكلام والجدال لعدوا في جملة المتكلمين ولنقل إلينا أسماء متكلميهم كما نقل أسماء فقهائهم" [6] .
... رابعًا: أن الله ينصر دينه بالمتمسك بالسنة ، ويؤيد بنصره من يشاء ، وه وغني عمن يستعمل أقيسه جاهلية اليونان يستعملها وسيلة لتحصين الدين بزعمه وكأن التحصن بالكتاب والسنة لا يكفي ولا يفي بالغرض ؟! بينما الحق الذي لا محيص عنه أن الكتاب والسنة فيهما ما يغني عما ابتدعه هؤلاء من علم الكلام .
خادم علم الحديث أم علم الكلام [7] ؟
... هذا العلم المذموم يتفاخر أتباع الحبشي في وصفه به كقول أحد أتباعه (قال شيخنا إمام علم الكلام) [8] ولا يدري أن هذا الوصف فيه أعظم الذم له لكثرة ما ذم السلف علم الكلام وعابوا المشتغلين به . فإذا كان السلف وصفوا علماء الكلام بأنهم زنادقة فقد جعل الأحباش شيخهم إمام الزنادقة .
... وأهديه من شعر تاج الدين السبكي هذا البيت يسمعه لشيخه:
وليس للناس في علم الكلام هدي ... ... بل بدعة وضلال في تكسبه [9]
... - وقد قال أبوه من قبل"وليس أضر على العقائد من شيئين: علم الكلام والحكمة اليونانية" [10]
وقال بن تميمية رحمة الله"فمن الناس من يظن أنهم - أي الأئمة - إنما أنكروا كلام القدرية فقط كما ذكره البيهقي وابن عساكر في تفسير كلام الشافعي ليخرجوا أصحابهم ( أي الأشاعرة ) من الذم وليس الأمر كذلك بل الشافعي أنكر كلام الجهمية: كلام حفص الفرد وأمثاله ممن كانت منازعاتهم في الصفات والقرآن والرؤية لا في القدر فقط ، وكذلك أحمد بن حنبل: خصومه من أهل الكلام هم الجهمية".
... أضاف"وطائفة تظن أن الكلام الذي ذمه السلف هو مطلق النظر والاحتجاج والمناظرة 0000 وهؤلاء أيضًا غالطون 000 والقرآن فيه مناظرة الكفار والاحتجاج عليهم 000 والرسل كانوا يحاجون ويجادلون أقوامهم 000 والسلف لم يذموا جنس الكلام ، فأن كل أدمي يتكلم 000 بل ذموا الكلام الباطل المخالف للكتاب والسنة" [11] .
وقد بالغ بعض خلفاء المتكلمين في تلبيسهم وتمويههم فقال: أول متكلمي هذه الأمة سيدنا على فإنه كان يناظر الخوارج . وهذا اعتساف وكذب: وإلا فليقولوا: محمد صلي الله عليه وسلم كان أول متكلمي هذه الأمة لأنه كان يناظر أهل مكة واليهود وغيرهم .
وهذه الدعاوى يفتريها كل من أراد الترويج لفرقته: فالشيعة يزعمون أن عليا رضي الله عنه كان شيعيًا والصوفية يزعمون أن أبا بكر رضي الله عنه كان صوفيًا واليهود من قبل زعموا أن إبراهيم يهوديًا والنصارى زعموا أن إبراهيم كان نصرانيًا .
زعمه أن الشافعي إمام الكلام:
... والحبشي واحد من المموهين . فقد زعم أن أول متكلمي هذه الأمة هو الشافعي فقد قال"أحكمنا هذا قبل ذاك"زعم أن معناه أحكمنا علم الكلام قبل علوم الفقة . فقد حكي الزبيدي أن الشافعي كان ينهي عن الاشتغال بعلم الكلام ويأمر بالاشتغال في الفقة [12] .
... وعلم التوحيد الذي أتقنه الشافعي هو علم التوحيد على طريقة سلف الأمة لا على طريقة أهل الكلام الذين بالغ الشافعي في ذمهم والتحذير منهم ! فانظر إلى أهل الزيغ كيف يتتبعون ما تشابه من أقوال الأئمة ويتجاهلون قولهم الصريح في ذم علم الكلام
حيرة أهل الكلام
شكوك أهل العقول تورث المرض في القلوب
واليكم نموذجًا من نماذج علم الكلام:
... - سيف الدين الآمدي: قال الذهبي"قال شيخنا ابن تيمية: يغلب على الآمدي الحيرة والوقف ، حتى إنه أورد على نفسه سؤالًا في تسلسل العلل وزعم أنه لا يعرف جوابًا ، وبني إثبات الصانع على ذلك ، فلا يقرر في كتبه إثبات الصانع ولاحدوث العلم ولا وحدانية الله ولا النبوات".
... - قال الذهبي"وكان القاضي تقي الدين سليمان يحكي عن شيخه ابن أبي عمر قال: كنا نتردد على الآمدي فشككنا: هل يصلي أم لا ؟ فنام ، فعلمنا على رجله بالحبر ، فبقيت العلامة يومين مكانها ، فعلمنا أنه ما توضأ ، نسأل الله العافية في الدين" [13] .
(1) شرح أصول الأعتقاد 1: 157 للالكائي .
(2) سير أعلام النبلاء 11: 216 / 291 وقاله الشافعي أيضًا 10 / 27 .
(3) منااقب لأحمد بن الجوزي ص 124 ترجمة أحمد في مقدمة المسند 85 طبقات الحنابلة 2 / 270 .
(4) يكثر الأحباش من الاحتجاج به وهو متكلم أشعري قال الذهبي في السير"له كتب في النظر والعقليات".
(5) أصول الدين 307 - 310 .
(6) صون المنطق للسيوطي 96 .
(7) علم الحديث مصدره قال رسول الله صلي الله عليه وسلم وعلم المنطق المتناقض مصدره قال أرسطو: هل يستويان مثلًا ؟
(8) تعليق عماد الدين حيدر كتاب الأصناف للباقلاني
(9) طبقات السبكي 6: 160 .
(10) مقدمة السيف الصقيل 12 .
(11) النبوات 156 مجموع الفتاوى 13 / 147 .
(12) إتحاف السادة المتقين 2 / 11 .
(13) وأثني الذهبي على ابن تيمية"هذا يدل على كمال ذهنه ، إذ تقرير ذلك بالمنظر لا ينهض وإنما ينهض بالكتاب والسنة ( السير 22 / 366 ) "