... يقول ابن تيمية"وأما أهل الكلام فإن عمدتهم في الباطن ليست على القرآن والإيمان ، ولكن على أصول ابتدعها شيوخهم ، عليها يعتمدون في التوحيد والصفات والإيمان بالرسول ، ثم ظنوا أنا ما يوافقها من القرآن احتجوا به ، وما خالفها تأولوه ."
... فلهذا نجدهم إذا احتجوا بالقرآن والحديث لم يعتنوا بتحرير دلا لتهما ولم يستقصوا ما في القرآن من ذلك المعني ، إذ كان اعتمادهم في نفس الامر على غير ذلك . والأيات التي تخالفهم يشرعون في تأويلها شروع من قصد ردها كيف أمكن ، ليس مقصوده أن يفهم مراد الرسول ، بل أن يدفع منازعه عن الاحتجاج بها 000 [1] .
الموقف الشيخ أبي زهرة من الماتريدي
وقد حمل الشيخ محمد أبي زهرة على الماتريدي"صبغته العقلانية"المتمثلة في مبدأ وجوب النظر وموافقته للمعتزلة في العقلانية مثل: ضرورة النظر ومعرفة الله بالعقل والتحسين والتقبيح العقليين"إلى أن قال"فأراء الماتريدي أقرب إلى اراء المعتزلة منها إلى أراء الفقهاء والمحدثين ، ومالاتريدي في القسم الذي يلي المعتزلة". قال"ولذا كان قول صديقنا المرحوم الكوثري إن الأشاعرة بين المعتزلة والمحدثين ، والماتريدية بين المعتزلة والأشاعرة قولًا صادقاُ" [2] ."
... ولقد قام الدكتور محمود قاسم ( في مقدمته على مناهج الأدلة ) بتقييم مذهب الماتريدي وانتهي إلى انه أقرب إلى الاعتزال وأنه لا يتفق في الحقيقة مع الأشعري إلا في مسائل قليلة ليست بالجوهرية [3] .
... واستنكر محقق كتاب التوحيد ( للماتريدي ) في بداية الأمر [4] . ما قاله الدكتور قاسم ، غير أنه عاد واعترف بهذه الحقيقة في مقدمته حيث أثبت تأثره بالمعتزلة في العديد من المسائل .
... وتتجلي أدلة الماتريدي العقلانية التي بناها على قواعد المعتزلة في مواضيع مثل: أن الأجسام حادثة وأنها لا تخلو عن اجتماع وسكون وافتراق ، وهي حوداث بالعقل والحس لأن الضدين لا يجتمعان فثبت التعاقب". علق المحقق على ذلك قائلًا"هذه الأدلة المستمدة من شهادة الحس والعقل عند الماتريدية نجدها عند نظام المعتزلي" [5] ."
... وقد زعم الماتريدية أن النصوص إذا كانت خلاف العقل: فإن كانت متواترة فهي و إن كانت قطعية الثبوت ولكنها ظنية الدلالة ، فالعقل مقدم عليها"."
... وهكذا لم تسلم السنة من مسخهم: لا أحادها ولا متواترها .
ومن هنا أؤكد أن منهج الماتريدي في نصوص الوحي منهج فاسد باطل لأنه صريح في أن العقل أصل والشرع فرع .
الماتريدي وتكفير المقلد
... وأنكر على الماتريدي تصدير كتاب التوحيد بفصل"إبطال التقليد"على الطريقة المعتزلة إذ ذكر أن من بلغ الاحتلام ولم يعرف الله بجميع أسمائه وصفاته عن طريق الاستدلال فهو كافر حلال الدم . وقد خالف السرهندي الماتريدي هذا القول . [6]
... قال المحقق"فلا تخرج أقوال الماتريدي عما يقوله المعتزلة وليس بينهما اختلاف الا في العبارة" [7] . حيث تضمنت عبارة الماتريدي في"تكفير من لم يعرف الله بجميع أسمائه من طريق استدلال المتكلمين"الحكم بكفر غالبية هذه الأمة .
وبالجملة فمسألة تكفير المقلد في العقيدة هو تقليد في العقيدة للمعتزلة ، لأن القول قولهم أصلًا.
أهل الكلام عند ابن حجر أهل تقليد .
... ولقد أبدي الحافظ بن حجر استياءه من ذلك فقال"والعجب ممن أشترط ترك التقليد من أهل الكلام ينكرون التقليد وهم أول الداعين اليه 00 فآل أمرهم إلى تكفير من قلد الرسول صلي الله عليه وسلم في معرفة الله تعالي وكفي بهذا ضلالا ، ويلزم من ذلك إلى القول بعدم إيمان أكثر المسلمين" [8] .
... - ونقل عن البيهقي في كتاب الاعتقاد أن غالب من أسلم من الناس في عهد النبي صلي الله عليه وسلم لم يعرفوا إثبات الصانع وحدوث العالم عن طريق استدلال المتكلمين وذكر أن هذا لا يكون تقليدًا وانمًا اتباعًا" [9] ."
... - وأثبت الحافظ أن هذا الاشتراط الذي عرفه المتكلمون إنما قلدوا به المعتزلة الذين سبقوهم إلى تكفير من لم يعرف الله عن طريق الاستدلال . قال"وذهب أبو هاشم من المعتزلة إلى ان من لم يعرف الله بالدليل فهو كافر" [10] .
الاسم والمسمى:
... من المسائل التي خاض فيها الماتريدية مسألة الاسم والمسمي حيث ذهبوا إلى أن الاسم هو المسمي وقد عد الأمام الطبري الخوض فيها من الحماقات والمتاهات [11] . وكان الامام أحمد يشق عليه هذا الخوض ويكتفي بأن الإسلام الاسم المسمي كما قال الله تعالي ( ولله الأسماء الحسني) .
الماتريدي وفكرة الشر .
... وقد استغرب محقق كتاب التوحيد ما وجده عند الماتريدي من الاستدلال بوجود الشر في العالم كدليل بوجود الشر في العلم كدليل على ان للكون صانعًا"ولو كان العالم من غير صانع لاننفي وجود الشر" [12] .
... قال المحقق"ومن الغريب أن يختار الماتريدي فكرة الشر ليبني عليها برهانًا على وجود الله ، وحتى الفلاسفة لم يخطر عندهم مثل هذا الاستدلال فأفلاطون مثلًا يتخذ من فكرتي الجمال والخير دليلًا على وجود الله [13] . وحتى الدكتور المغربي الذي صنف كتاب"إمام أهل السنة والجماعة أبو منصور الماتريدي"أستغرب من الماتريدي هذا الاستدلال [14] ."
(1) مجموع الفتاوي 13 / 58 - 59 .
(2) تاريخ المذاهب الإسلامية 178 أصول الفقة له أيضًا 556 مقدمة الكوثري على تبين كذب المفتري 19 .
(3) مناهج الادلة في عقائد الملة 18 و 122 .
(4) قدم تحقيق كتاب التوحيد كرسالة دكتوراه في الأزهر بمصر .
(5) مقدمة كتاب التوحيد 31 ومقدمة كتاب مناهج الأدلة 125 .
(6) مكتوبات الإمام الرباني 293 .
(7) مقدمة كتاب التوحيد 27 - 28 .
(8) فتح الباري 13 / 354 .
(9) فتح الباري 13 / 353 .
(10) فتح الباري 13 / 350 .
(11) صريح السنة 26 تحقيق بدر معتوق .
(12) أنظر كتاب التوحيد للماتريدي 17 .
(13) مقدمة التوحيد 34 .
(14) امام أهل السنة والجماعة 132 .