فهرس الكتاب
... ومع ذلك كله فقد اعترف الماتريدي بقصور العقل وأنه"مخلوق له حد كغيره من وسائل الإدراك: يعترضه ما يعترض غيره من الآفات مع غموض الأشياء واستغلاقها" [1] .
... وحكى الشيخ زاده عن عامة مشايخ الحنفية الماتريدية أنهم يقولون أن الله لو لم يرسل الرسل لكفى حجة الله عليهم بعقولهم [2] . وخالفوا بذلك صريح قوله تعالي ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا ) .
وهذا متعارض مع جعل العقل أصلا يقدمونه على الأدلة السمعية .
ويؤكد هذا التعرض أن ما يدافعون به الأدلة السمعية يستعملونه في تأويلها يكون باعترافهم محتملًا لا مقطوعًا به مثال ذلك:
... حين وجد الماتريدي آيات القرآن صريحة في رد مذهب الأحناف بعدم زيادة الإيمان ونقصه ( ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم ) * ( فزادهم إيمانًا ) استخدم عقلانيته على وجه الاحتمال لا على وجه اليقين فقال:
(1) يحتمل أن تعني الزيادة هنا زيادة الحجج والبراهين .
(2) يحتمل أن تكون زيادة الإيمان داعية إلى الوفاء بشروطه .
(3) يحتمل أن تكون من حيث الفضيلة والكمال لا العدد والعمل .
(4) يحتمل أن تكون الزيادة بمعني قوته ونوره وزيادة ثماره . وهو اعتراف بزيادة الإيمان لأنه بزيادة الإيمان يزداد النور .
(5) يحتمل أن يكون بمعني زيادة الثبات [3] والاستقامة [4] .وهذا القول تحريف ظاهر فان من لم يثبت على الإيمان ولم يدم عليه فقد انتقل إلى الكفر .
... وهكذا نجد عند أهل الكلام من الاحتمالات في أمور العقائد الشئ الكثير . ويصعب إحصاء المرات التي كرر فيها ابن فورك في كتابه مشكل الحديث قوله ( ويحتمل ) .
ومن هنا نستطيع القول بأن المتكلمين لم يوفوا بما اشترطوه وهو أن لا يتكلموا في العقائد إلا بالأدلة القطعية . هذا لشرط الذي دفعهم إلى رد أحاديث الآحاد واعتبارها ظنية مع كونها موجودة عند البخاري ومسلم اللذين تلقت الأمة أحاديثها بالقبول .
... فالتأويل ظني الدلالة باعتراف الماتريدي [5] . ومع ذلك اعتمدوه في العقائد وبكثرة . والعقل قدموه على الأدلة النقلية السمعية في العقائد مع اعتراف الماتريدي أيضًا بقصوره والاحتمالات تتوارد عندهم وتكثر في سبيل رد الصريح من النصوص كما رأينا مع الماتريدي في تأويل النصوص الدالة على زيادة الإيمان .
... وبهذا نخلص إلى أن من حمل هذه التناقضات وثبت عليه مشابهة المعتزلة كيف يقال بأنه رئيس أهل السنة والجماعة ؟
(1) التوحيد 183 تأويلات أله السنة 1 / 684 .
(2) نظم الفرائد 35 .
(3) تأويلات أهل السنة والجماعة 1 / 273 .
(4) عاب الباحث في رسالته ( أبو منصور الماتريدي 385 ) موقف الماتريدي من الإيمان قائلًا"وإذا كان الإيمان لا يزيد ولا ينقص في حقيقته عند الماتريدي فعلي ذلك فقد أستوينا والرسل في أصل الإيمان فكيف صار الثواب لهم والخوف من الله أكمل"؟!.
(5) التوحيد للماتريد 74 .