فهرس الكتاب

الصفحة 603 من 1116

... *وتناقض الأشاعرة في مسالة الترجيح بلا مرجح فتارة يقولون أن القادر المختار يرجح أحد طرفي الممكن بلا مرجح ، ومرة يقولون بعكس ذلك وأن القادر لا يرجح أحد طرفي الممكن إلا بمرجح .

وسبب التناقض اختلاف الحالة التي يستدلون لها:

... فإذا كانوا في مناظرة مع الفلاسفة الدهرية حول حدوث العالم ردوا على الفلاسفة قائلين: إن القادر يرجح أحد مقدرويه على الآخر بلا مرجح ، وقالوا: أن ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر بغير مرجح يصح من القادر المختار ولا يصح من العلة الموجبة . وهذا بعينه جواب المعتزلة على الفلاسفة .

... والأشاعرة إذا كانوا في مناظرة مع المعتزلة في مسألة خلق أفعال العباد وأن الله هو الخالق لها ردوا المعتزلة قائلين: إنه لا يتصور ترجيح الممكن لا من قادر ولا من غيره الا بمرجح يجب عنده وجود الأثر

... قال ابن تيمية"فهؤلاء إذا ناظروا الفلاسفة في مسألة حدوث العالم لم يجيبوهم الا بجواب المعتزلة ، وإذا ناظروا المعتزلة في مسائل القدر يحتجون عليهم بالحجة التي أحتجت بها الفلاسفة ، فإن كانت هذه الحجة صحيحة بطل احتجاجهم على المعتزلة ، وإن كانت باطلة بطل جوابهم للفلاسفة . وهذا غالب على المتفلسفة والمتكلمين المخالفين للكتاب والسنة تجدهم دائمًا يتناقضون ، فيحتجون بالحجة التي يزعمون أنها برهان باهر ثم في موضع آخر يقولون: إن بديهة العقل يعلم بها فساد هذه الحجة" [1] .

... ففي مسألة الاختصاص أعتبروا ان كل ما كان جسمًا فلابد له من مخصص وكل مفتقر إلى مخصص فهو محدث . وهي حجة متهافته متناقضة احتجوا بها على نفي علو الله ، وذكر الآمدي احتجاج الشهرستاني بدليل الاختصاص ثم بين ضعف هذا الدليل في غاية المرام ( ص 181 ) .

... *وتناقض الشهرستاني والآمدي والرازي فأثبتوا جواهر معقولة غير متحيزة موافقة للدهرية والفلاسفة ، وقالوا: أنه لا دليل على نفيها . فقال لهم ابن تيمية ( أنتم إذا ناظرتم الملاحدة المكذبين للرسل فأدعوا اثبات جواهر غير متحيزة عجزتم عن دفعهم أو فرطتم فقلتم: لا نعلم دليلًا على نفيها أو قلتم بإثباتها.

... وإذا ناظرتم اخوانكم المسلمين [2] الذين قالوا بمقتضى النصوص الالهية والطريقة السلفية وفطرة الله التي فطر عباده عليها ، والدلائل العقلية السليمة عن المعارض وقالوا: أن الله فوق خلقه سعيتم في نفي لوازم هذا القول وموجباته فقلتم: لا معني للجوهر إلا المتحيز بذاته فإذا كان هذا القول حقًا فأدفعوا به الفلاسفة ، وإن كان باطلًا فلا تعارضوا به المسلمين .

... أما كونه يكون حقًا إذا دفعتم ما يقوله المسلمون ويكون باطلًا إذا عجزتم عن دفع الملاحدة في الدين فهذا طريق من بخس حظه من العقل والدين وحسن النظر والمناظرة عقلًا وشرعًا [3] .

... فهذا التناقض إنما هو لمن قال بالجواهر العقلية أو قال إنه لا دليل على نفيها .

ورجوع كثير من الأشاعرة دليل قوي على بطلان ما كانوا عليه . ودليل على ان تمسك السلف بالكتاب والسنة وإعراضهم عن تعاليم اليونان وقد كانت في عهدهم ، إنما تمسكهم نابعًا من اعتقاد جازم وإيمان عميق أن الهدي والرشاد والطمأنينة لن تكون إلا باتباع الوحي المنزل .

كيف يمسك الفلاسفة والمعتزلة بخناق الأشاعرة

(1) تأمل أدب النقاش عند ابن تيمية فإنهم لا يزال ينسبهم إلى الاخوة الإيمانية .

(2) أنظر المطالب العالية 3 / 117 - 118 .

(3) درء التعارض 4/163

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت