فهرس الكتاب

الصفحة 604 من 1116

... وقالت الفلاسفة للأشاعرة: أنتم وافقتمونا على أن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وأن الاعراض حوادث لا تبقى زمانين . والصفات أعراض . فوجب عليكم أن تنفوا الصفات لأنها حوادث أعراض والعرض لا يقوم بنفسه بل لابد له من جوهر يقوم به .

... فإذا قال: أنا لا أسمي ما يقوم به عرضًا لأن العرض لا يبقي زمانين: وصفاته باقية عندي .

... قالوا: قولكم إن العرض لا يبقي زمانين مخالف لصريح العقل ومما يعلم فساده بالضرورة . وإذا كان العرض لا يبقى زمانين فلا فرق بين صفاته وصفات غيره . فالمخلوقات لها صفات . فإما أن تسمي الجميع عرضًا أو لا تسمي الجميع عرضًا .

... وإذا قال: إنما قلت أنه لا يقبل الحوادث لأن ما قامت به الحوادث لا يخلو منها: قالوا له: وإذا كان عندك قد صار فاعلًا بعد أن لم يكن ولم يلزم من ذلك أنه لا يخلو من الفعل فقل: أنه قد قام به الفعل بعد أن لم يكن . كما قال اخوانك من مثبته الصفات كالكرامية وغيرهم . ولا يلزم من ذلك ان يكون الفعل لم يقم به .

... وهكذا حال من نفى الأفعال أو نفى الصفات فإن الفلاسفة تأخذ بخناقة ويبقى حائرًا شاكًا مرتابًا مذبذبًا .

... فإن الفلاسفة لما رأوا المتكلمين متناقضين في دليلهم حول حدوث الأجسام قالوا: لما كان دليلكم متناقضًا صح قولنا بقدم العالم لأنكم لم تستطيعوا الاستدلال على إفساده .

... وكذلك ألزمهم الفلاسفة بجواز تأويل نصوص المعاد أو الأحكام الشرعية فإنه أقل شأنًا من تأويل نصوص صفات الله .

... وكذلك مال الأشاعرة إلى مذهب المرجئة في مسألة الأسماء والأحكام فقالوا مخالفة لمذهب المعتزلة: لا نعلم الفساق هل يدخل أحد منهم النار او لا يدخلها ، فوقفوا وشككوا في نفوذ الوعيد في أهل القبلة جملة وهذا أشد ابتداعًا من مذهب المعتزلة . والسلف لا يتنازعون في أنه لابد أن يدخل النار من يدخلها من أهل الكبائر ولكن لا يخلدون فيها . وهذا خلاف مذهبي المعتزلة والمرجئة . وهو حكم على أن هذا سيحصل ولا يلزم منه تعيين لكل مرتكب للكبيرة وإنما وردت النصوص أن الله سيخرج من النار كثيرًا من أهل الكبائر بتوحيدهم . ومن ثم يدخلهم الجنة .

... ومن هنا سهل على المعتزلة والفلاسفة الدخول من خلال ضعف الأشاعرة للطعن في الدين . لأنهم دائمًا يقولون للأشاعرة: يلزمكم في نصوص الصفات ما تلزموننا به في نصوص المعاد وعذاب القبر . وقولنا في عذاب القبر كقولكم في صفات الله .

... والمؤمنون بالله ورسوله يقولون لهم: قولنا لكم في الصفات كقولكم للفلاسفة في نصوص المعاد ، فإذا قلتم: إثبات عذاب القبر والمعاد معلوم بالاضطرار من دين الرسول: قلنا لكم: وكذلك إثبات صفات الله من العلو والنزول واليدين والوجه والعين والأصابع معلوم بالأضطرار من دين الرسول ."قاله ابن تميمه".

... وفي الحكمة والتعليل ذكروا بأن أفعال الله لا تخلو عن الحكم ولكنها ، غير مقصوده ، فنفوا القصد مع أنهم أثبتوا هذا القصد شرطًا لإثبات صفة العلم لله لأن الفعل المتقن إن لم يكن بالقصد والاختيار فإنه لا يدل على علم فاعله ، بخلاف الفعل المتقن المقصود ، فنفيهم للقصد في الحكمة وإثباتهم له في العلم تناقض واضح ، وكذلك من نفي الحكمة وأثبت التعليل والقياس فقد تناقض [1] .

... وهم إذا تصوفوا تناقضوا واستغاثوا بالأموات وافتروا على الله كذبًا فقالوا: إن الله جعلهم أسبابًا لنا لنستغيث بهم ، وأما ما جعله الله سببًا كحصول الذبح بالسكين وحصول الاحتراق بالنار فإنهم ينفونه بحجة أن لا يقال إن الأسباب تخلق الفعل حتي زعموا إن الذبح والحرق يحصل عندها لا بها !!!

تناقضهم حول النبوة

(1) انظر المطالب العالية 3/117- 118 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت