فهرس الكتاب

الصفحة 605 من 1116

بعد الضجة التي أقامها الأشاعرة في أنه لابد من القواطع العقلية في المسائل الاعتقادية وحكموا على الأدلة النقلية بأنها ظواهر لفظية لا تفيد اليقين إذ بهم يصلون إلى مسألة عظيمة ليتوصلوا بها إلى الشرع وهي إثبات النبوات فقالوا: إن إثباتها بالمعجزات فقط . وإن دلالتها على النبوات عادية أي ليست عقلية محضة . وهم يجوزون خرق العادة وعليه فلا تكون المسألة قطعية على قولهم هذا .

... وقولهم: أن دلالتها عادية الا أنها ضرورية يستدعي عدم دقتهم في تحديد الأمور الضرورية كمسألة وجود الله تعالي إذ جعلوها من الأمور النظرية لا الضرورية مع أنها ضرورية .

التناقض الثاني حول النبوة: أنهم جعلوا دلالة المعجزة على صدق الرسول بمنزلة القول الصريح من الله بأن مدعي الرسالة صادق ، وهذه الدلالة لا تتم الا إذا قيل بامتناع الكذب على الله تعالى ، ولذلك قال الجويني"فصل: امتناع الكذب على الله تعالي شرط في دلالة المعجزة" [1] .

... لكن القشيري يستثني من ذلك الجويني فيقول"لو ادعي امام الحرمين اليوم النبوة لاستغني بكلامه عن إظهار المعجزة [2] . فالنبي يلزمه شرط المعجزة لكن الجويني في غني عنه !"

... *ومن تناقضهم قولهم: إن دلالة المعجزة على التصديق معلومة بالاضطرار ، ثم يقولون: إن الله لا يفعل لحكمة ، وليست أفعاله تعالي معللة .

... وهذا تناقض إذ كيف تدل المعجزة - التي هي من أفعال الله ومفعولاته - على صدق النبي ، والله لا يفعل لحكمة على مذهبهم لأن الحكمة شئ شنيع يسمونه تعليلًا ، والتعليل فيه إثبات الحاجة لله .

... أما الطريقة الثانية وهي أجود وهي التي اختارها أبو المعالي فهو أن دلالة المعجز على التصديق معلوم بالاضطرار ، وهذه طريقة صحيحة لمن أعتقد أن الله يفعل الحكمة .

... *وتناقض الأشاعرة فحكموا على الأدلة النقلية بأحكام مفادها تقديم العقل عليها في حالة التعارض بزعمهم وعدوا أخبار الآحاد من الظنون التي لا يجوز التمسك بها ، بل جعل بعضهم الأدلة النقلية كلها ظنية مما يترتب عنه عدم الأخذ بها في المسائل العلمية فأين هذا من أصلهم القاضي بمنع تحسين العقل وتقبيحه ؟

... ثم هم قد نصوا على أن المسائل التي يتوقف عليها الشرع لا تثبت إلا العقل ، ومنها: معرفة وجود الله ، فقالوا: طريق إثباتها العقل فقط ، ووجوب المعرفة لا يثبت إلا بالشرع ، فألزموا بالدور ، ولا يخرجهم من هذا إلا بأن يسلموا أن المعرفة فطرية ، أو يقولوا بتحسين العقل وتقبيحه على مقتضي الفطرة .

... ولذلك حكم أبو النصر السجزي على ابي الحسن الأشعري بالتناقض قائلًا"وقال الأشعرى: (العقل لا يقتضي حسن شئ ولا قبحة ، وإنما عرف القبيح والحسن بالسمع ، ولولا السمع ما عرف قبح شئ ولا حسنه ) . ثم زعم أن ( معرفة الله سبحانه وتعالي واجبه في العقل قبل ورود السمع ، وأن تارك النظر فيها مع التمكن منه مستحق العقوبة ) والنص إنما دل على ترك عقوبته لا أنه مستحق لها . فإن قال: إن معرفة الله وجبت ولم يعلم حسنها ، وأستحق تارك النظر فيها اللوم: كان متلاعبًا . وإن قال: أنها حسنة فقد أقر بأن العقل يقتضي معرفة الحسن والقبيح ، وإنما ضاق به النفس لما قالت المعتزلة: الظلم قبيح في العقل ، وإذا أراد الله شيئًا ثم عذب عليه كان ظالمًا ، فركب الطريقة الشنعاء في أن لا حسن في العقل ولا تقبيح" [3] .

... إن الأشاعرة بإنكارهم تحسين العقل وتقبيحه مطلقًا يقابله إفراط منهم في تقديم العقل ، فمع أنهم يقولون"لا قبح ولا حسن إلا بالشرع"إلا أنهم يستقبحون ما أستحسن الشارع وصف نفسه به .

(1) الأرشاد للجويني 231 أو 278 ط: مؤسسة الخدمات الثقافية .

(2) طبقات السبكي 5 / 174 محققة .

(3) الرد علي من أنكر الحرف والصوت ط: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت