فهرس الكتاب
... ثم الإعانة تقتضي المشاركة في الفعل فكيف يعاقب الله العبد بعد ذلك على ما أعانه عليه وأراده منه من غير أن يمنحه الاختيار على فعله ؟
... هذا ما لن يستطيع الإجابة عليه . فقد افترض السؤال التالي"فإن قيل كيف يخلق الله في الكفار الامتناع عن قبول الحق ثم يعاقبهم علي ذلك أليس هذا قبيحًا ؟ أجاب"ما المانع أن تكون تلك الأفعال مخلوقة لله تعالى ويعاقب العبد عليها لمصلحة وحكمة استأثر بها"؟ [1] ."
... وهذا الجواب عجز وليس إجابة . ثم إن قوله"الله يعاقب لمصلحة وحكمة"اعتراف منه بالحكمة والتعليل اللذين ينفيهما الأشاعرة [2] فالله عند الأشاعرة يفعل لا لحكمة لأن ذلك موهم بالنقص والحاجة في صفات الله . وإن كانوا يقرون بأن الله حكيم لكنهم لا يربطون بين فعله وحكمته . وهذا من جملة الوساوس التي أثمرها علم الكلام .
... وكذلك لم يستطع الإجابة عن سؤال وجهه إليه أحد الحاضرين وهو أن"المنطق يقتضي أن يترتب الثواب والعقاب علي فعل العبد وأن الله ترك له المشيئة ليختار العمل"وكأن الحبشي لا يري للعبد مشيئة ولا اختيار فبادر المعترض بقوله"القرآن هنا أتى بخلاف رأي الإنسان فنحن نترك الرأي ونتبع القرآن فنتبع الشرع [3] أي ما أنزله الله علينا [4] ."
... ولكنه هو الذي أتي بخلاف العقل والنقل ، وليس القرآن ، فإن الشريعة لا تأتي بخلاف العقل ولا تعارضه ، ولابد لصريح العقل أن يوافق صحيح النقل وقد قال تعالى ( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) الكهف 29 . فإذا كان الله أثبت مشيئة حقيقية فلا يجوز لأحد بعده أن ينفيها وإلا كان هو المخالف للعقل والنقل ، فالله خلق الأسباب وربط بينها وبين مسبباتها وفق سنته الجارية في الكون .
(1) الدليل القويم 135
(2) سنتطرق إلى مفهوم الخير والشر والحكمة والتعليل عند الأشاعرة .
(3) لماذا لم يترك الرأي ويتبع القرآن في صفات الله فيثبت ما وصف الله به نفسه ويتخلى عن وساوس التشبيه التي قادته إلى التعطيل .
(4) شريط ( 2 ) عداد ( 242 ) الوجه ( 2 ) .