فهرس الكتاب
... وظن المعتزلة أن الإرادة تستلزم الأمر ، وهو خطأ [1] فقد يوجد أحدهما ولا يوجد الآخر . فالله أمر جميع الناس بالإيمان غير أن الكافر لم يؤمن ، ولا يقال أنه كفر بغير إرادة الله وقهرًا لسلطانه فالله أراد ذلك .
يجب التفريق بين نوعين من الإرادة
... النوع الأول: وهي إرادة دينية شرعية لا تستلزم وقوع مرادها لأنها متعلقة بإرادة التكليف الذي هو مبني على الاختيار . كما قال تعالى"يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر""والله يريد أن يتوب عليكم"
... *وهذه الإرادة هي التي تستلزم محبة الله ورضاه . ولا تؤثر في العبد إيجادًا وإعدامًا . ويتعلق بها الثواب والعقاب . فقد يتوب العبد وقد لا يتوب .
... *والمعتزلة قصروا إرادة الله عليه فقط وقالوا إن ما أراده الله لابد أن يكون محبوبًا مأمورًا به ونتج عن ذلك قولهم أن كل ما وقع في الأرض من المعاصي ليس بإرادة الله لأن الله لم يأمر به ولا يحبه وإنما وقع بإرادة الإنسان وحده .
... النوع الثاني: الإرادة الكونية القدرية: وهي المشيئة العامة الشاملة المحيطة بجميع الكائنات . وهي التي يعنيها المسلمون عند قولهم"ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن"والله أراد من العالم ما هم فاعلوه من الخير والشر .
... فكل ما كان وما يكون لا يخرج عن سلطان الله إرادته ، كما قال تعالى { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصعد في السماء }
وقوله { يضل من يشاء ويهدى من يشاء }
... ولكن لا ننسى أن ذلك { جزاء بما كنتم تعملون } . وهذا النوع قصر الأشاعرة الإرادة الإلهية عليه . فقالوا إن الله خلاق كل شيء من الكفر والفسوق والشرور وما دام خلق فلابد أن يكون ما يخلقه محبوبًا ... والمحبة عندهم أحد معاني الإرادة .
... ولو تأملنا موقف المعتزلة والأشاعرة لظهر لنا أن كلا منهما قد نظر إلى الإرادة من جهة واحدة وأهمل الجهة الأخرى ، وظن أن جهته هي المعنى العام للإرادة .
... وكل فريق معه أدلة يحتج بها على جهته لكنه ، لكنه لا يستطيع إبطال جهة الآخر بها . لأن كلًا منهما سكت عن صحة جهة صاحبه . وكل منهما قد أخذ حظًا ونسى حظًا مما ذكر به .
... لقد راح كل فريق يأخذ في مذهبه معنى واحدًا من معاني الإرادة ويحاول أن يبطل به النوع الآخر . مع أن ما مع الفريقين صحيح في بابه ولا يبطل ما مع الفريق الآخر .
(1) المغني في أبواب التوحيد والعدل 6 / 51 - 56 .