فهرس الكتاب
الحكمة والتعليل
... ذهب الأشاعرة إلى أن أفعال الله تعالى ليست معللة ولا يجوز أن يقال إنها لحكمة .
وهذا المفهوم خاطئ عند الأشاعرة متفرع من موقفهم من الحكمة والتعليل فإنهم أنكروا ارتباط أفعال الله تعالى بالحكمة مع أنهم لم ينكروا أن الله عليم حكيم . وفسروا معنى الحكمة بالإرادة . وقالوا إن الله لا يفعل لحكمة وإنما لمحض المشيئة . لأن الفعل لحكمة غرض وتعليل ونقص ينزه الله عنه .
-قال الزبيدى"ومن معتقد أهل السنة أن الصانع جل وعلا لا يفعل شيء لغرض" [1] واستعمال لفظ"الغرض"ليس إلا تشنيع يوهمون به الناس أن فعل الله لحكمة تعنى لحاجة والله ينزه عن الحاجة .
-وليس هناك مانع أن يصرح أحدهم بأن الله خلق العالم لا علة ولا سبب [2] ، وبهذا النفي أثبتوا خلقًا بلا غاية ولا حكمة وإنما خلقًا مجردًا عن الغاية والقصد . وهذا مذهب الجهمية قبل الأشاعرة"نفاة الحكمة"
ففصلوا أفعال الله عن الحكمة وحملوا الآيات التي تتضمن التصريح بـ"لام"الحكمة والتعليل مثل قول الله تعالى { الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا } { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } { ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا } على أنها"لام العاقبة" [3] . وهو حمل باطل للأسباب التالية:
... *أن لام العاقبة صفة نقص إنما تجئ في حق من لا يكون عالمًا بعواقب الأمور ونتائجها كقوله تعالى { فالتقطه أل فرعون ليكون لهم عدوًا وحزنًا } [ القصص 8 ] . فلو كان يعلم أن هلاكه على يد من التقطه لقتله قبل التقاطه . فلام العاقبة هذه لم تنزه الله عن صفات نقص موهومة . وإنما وصفت الله بأقبح مما هربوا منه .
... *ثم الحكيم لا يفعل إلا لحكمة والنقص كل النقص في خلو فعله عن الحكمة ، ومن ارتضى أن يفصل فعل الله عن حكمته فهو فاسد الفطرة فاسد الرأي قريب من المعتزلة القائلين حكيم من غير حكمة .
ولذا قال العلامة السفاريني:
وربنا يخلق باختيار ... من غير حاجة ولا اضطرار
لكنه لا يخلق الخلق سدىً ... ... ... كما أتى النص فأتبع الهدى
... كما أن الله يفعل الفعل بقدرته لأن القدرة صفة له ، فكذلك يفعل الفعل لحكمة ، لأن الحكمة صفة من صفاته وليست صفة غيره حتى يقال أن الحكمة والتعليل نقص . قال تعالى"أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وإنكم إلينا لا ترجعون" ( المؤمنون 115 ) "أيحسب الإنسان أن يترك سدي" ( القيامة) .
... *أنه ما من محذور من تجويز أن يفعل الله لحكمة ، وإنما المحذور كله أن يعتقد معتقد أن الله يخلق لا لحكمة .
(1) إتحاف السادة المتقين 2/199
(2) تمهيد الأوائل 15 غاية المرام 224 الإرشاد للجويني 268 نهاية الإقدام 297 محصل أفكار المتقدمين 305 .
(3) البيجوري على جوهرة التوحيد 69 .