فهرس الكتاب

الصفحة 665 من 1116

... قال السبكي"لله عندنا أن يعذب الطائعين ويثيب العاصين وأنشد يقول" [1]

لله تعذيب المطيع ولو جرى ... ... ... ما كان من ظلم ولا عدوان .

فنفى العقاب وقال سوف أثيبهم ... ... ... فله بذلك عليهم فضلان .

هذا مقال الأشعري إمامنا ... ... ... وسواء مأثور عن النعمان .

... وقد عللوا سبب مفهومهم أن الله متصرف في ملكه ، وهو لا يُسأل عما يفعل . لأن إرادته مطلقة وقدرته عامة . كما يجوز منه أن يعذب الأطفال في الآخرة بغير جرم منهم ولا ذنب . ويكون ذلك منه عدلًا وحكمة ، لأن الملك ملكه والمشيئة مشيئته ولا يكون في ملكه إلا ما يريد . ولو عذب المطيعين وكافأ العاصين ولم يكن ظالمًا .

... وكأنهم يقولون: يجوز على الله أن يفعل الشر ولا يكون شرًا .

... فإذا كنتم تجيزون أن يعذب الله الطائعين ويثيب العاصين ( على ماذا ؟ ) لكنه لا يفعل: فيلزمكم أن تجيزوا عليه أن يظلم لكنه لا يفعل .

... ويبطل ذلك قوله تعالى"للذين أحسنوا الحسنى وزيادة"فالله يعد المحسن بأحسن منه ، وأنتم يا مثبطة تعدونه بالمجازاة بالسيئة على الإحسان بحجة أن الملك ملكه .

... والله يقول"إذا تقرب إليّ باعًا تقربت منه ذراعًا وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة"وأنتم يا مثبطة تقولون: إذا تقرب منه يجوز أن يتباعد عنه ويعاقبه .

... والله يقول"ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلمًا ولا هضمًا"ويقول"ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى"

... وعندكم يا مثبطة يجوز أن يجزي الذين أساءوا بالحسنى ويجزي الذين أحسنوا بالسيئة .

... ويقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ"يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله ؟ قال معاذ: الله ورسوله أعلم . قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا ، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا" [2] فلا واجب على الله إلا ما أوجبه هو على نفسه .

... وكان عليهم أن يربطوا فعله بعدله وحكمته كما ربطوها بقدرته من غير وساوس ولا افتراضات (لو) التي تلوح بين قرني الشيطان ومن نتاج عمله . حيث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن"لو"تفتح عمل الشيطان من غير أن يأتوا بهذه الافتراضات بعد أن قال الله تعالى في الحديث القدسي"إني حرمت الظلم على نفسي"فالله يمدح نفسه بترك الظلم ولا يمدح نفسه بإثبات العجز عن فعل ذلك .

... ولقد صرح الفخر الرازي بقول عجيب حين تناول تفسير قوله تعالى"إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم"وافترض السؤال التالي: كيف جاز لعيسى أن يقول"وإن تغفر لهم"والله لا يغفر الشرك ؟ قال: يجوز على مذهبنا من الله تعالى أن يدخل الكفار الجنة ، وأن يدخل الزهاد والعباد النار"قال:"

... وقوله"إن الله لا يغفر أن يشرك به"نقول: إن غفرانه جائز عندنا" [3] "

عودة إلى التحسين والتقبيح العقليين

... وأما قولهم إن التحسين والتقبيح لا يكون إلا بالشرع فهو قول خاطئ لا يوافقه الشرع نفسه لما يلي:

... *أن الله يحل شيئًا ثم يحرمه لحكمة وهو لم يكن قبيحًا قبل تحريمه ، مثلما أن الله عاقب بني إسرائيل بتحريم أشياء لم تكن محرمة قال تعالى"فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم". فليس كل ما حرمه الله قبيحًا لذاته .

... أن نفي الحسن والقبح مطلقًا لم يقل به أحد من سلف الأمة وأئمتها ، بل أكثر الطوائف على إثباته وهو قول الحنفية نقلوه عن إمامهم أبي حنيفة رحمه الله [4] ، بل قال به من أصحاب الشافعي أبو علي بن هريرة الفقيه القاضي ( ت 345 هـ ) وأبو بكر القفال الشاشي الكبير ( ت 365 هـ) وأبو نصر السجزي من المحدثين ( ت 444 هـ ) وأبو القاسم الزنجاني ( ت 471 هـ ) .

... وهؤلاء ذكروا أن نفي الحسن والقبح من البدع التي حدثت في الإسلام زمن أبي الحسن الأشعري حين ناظر المعتزلة وأبطل قولهم بنفي الحسن والقبح العقليين لكنه بالغ - وأتباعه من بعده - فاحتاجوا إلى نفي قول المعتزلة من أصله وكان عليهم أن يثبتوه بقيود لا أن يقابلوا تحسين المعتزلة المطلق بنفي مطلق . فأثبت المعتزلة مع الحق باطلا ، ونفى الأشاعرة مع الباطل حقًا .

... - أن الله حرم أشياء وأحل أشياء وسكت عن أشياء رحمه بنا غير نسيان

... - وأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نستفتي قلوبنا وإن أفتانا المفتون في حالات معينة .

... - والخمر لم تكن حسنة قبل ورود الشرع بتحريمها ، بل كانت قبيحة مضرة وإن سكت الشرع عنها في أول الأمر .

... - والأعمال قد تكون حسنة ظاهرًا قبيحة باطنًا كعمل المنافق .

... - أنه ترتب على ذلك لوازم فاسدة منها:

... قول الأشعرية بجواز أن يعذب الله الطائعين والأطفال والمجانين بل والأنبياء ويخلدهم في النار ، وأن يثيب العاصين والكفار ويدخلهم الجنة لكنه لا يفعل [5] . ويجوز أن يأمر بالظلم والشرك والفواحش لأنه ليس في الطاعة معنى يناسب الثواب ، ولا في المعصية معنى يناسب العقاب . ويلزم منه إنكار ما جاءت به الشريعة من المصالح والمفاسد والمعروف والمنكر وجحد ما في الشريعة من المناسبات بين الأحكام وعللها .

... فهكذا ترى التنزيهات المزعومة في أسماء الله وصفاته وفي قضائه وقدره لم تكن في الحقيقة إلا تشويشات وشبهات على المسلمين في دينهم ، لم يحصل بها نصر السنة ، ولم تثمر حججًا وبراهين ، وإنما حصل بها التدابر والتنازع والتفرق والتضليل وسفك دماء المسلمين ولو علم بها كافر يريد الإسلام لفر منه فراره من الأسد .

... وهي شبهات يستطيع عدو المسلمين أن يستعملها للتشنيع على عقيدة الإسلام وتشكيك المسلمين في دينهم كأن يقول: أنتم تدّعون أن ربكم لا يفعل لحكمة لأن الحكمة تعليل والتعليل نقص على الله بزعمكم ، وأنه يجوز أن يعذب المطيع ويخلد الكافر في الجنة ويحمل عباده فوق ما يطيقون ، إن كانت هذه مبادئ الإسلام فلا أدخل في دين كهذا !!! .

... فما أسوأ أثر علم الكلام على الإسلام والمسلمين .

ثمرات نفي الحكمة والتعليل

... وترتب على نفي التعليل نفي الأسباب في أفعاله الكونية فسلبوا النار خاصية الإحراق وسلبوا الماء خاصية الإرواء فقال الأشعري"إن الخبز لا يشبع والماء لا يروي والنار لا تحرق" [6] وأن

(1) طبقات السبكي 3 / 386 نسخة محققة .

(2) روه البخاري ( 7373 ) .

(3) التفسير الكبير للرازي ( ص 12 / 136 ) .

(4) انظر تيسير التحرير

(5) إتحاف السادة المتقين 2 / 9 .

(6) حكاها عنه السبكي في طبقاته 8 / 227 محققة وانظر مجرد مقالات أبي الحسن الأشعري 282 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت