... وبعد هذه الجولة حول مسألة الإنكار في مسائل الخلاف سنعرج على مسألة الاجتهاد والتقليد بالتفصيل .
هل الصحابة مقلدون
1)ذكر الحبشي أن أغلب أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - كانوا مقلدين لا يستطيعون استخراج الأحكام من القرآن والسنة ، وأن المجتهدن من الصحابة ستة فقط ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعلم أن أكثرهم لا يستطيعون استخراج الأحكام من القرآن والسنة [1] .
... وقد كتب الدهلوي هذا القول وأكد أن أحدًا من الصحابة والتابعين لم يكن ليأذن أن يقلده أحد في كل ما يقوله ويذهب إليه ، وأن تقليد شخص بعينه لم يكن معروفًا بين الصحابة والتابعين ولم يعرف إلا في لقرن الرابع [2] .
... بل ذكر الزبيدي أن"المقلدة عصت الله في قوله { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ } وعصت الرسول في قوله { فَاتَّبِعُونِي } وعصت إمامها في قوله"خذوا بالحديث إذا بلغكم ، وأضربوا بكلامي الحائط" [3] ."
... ومن الوقاحة أن يدافع هؤلاء عن التقليد وليس معهم من كلام أئمة المذاهب إلا التحذير الشديد من التقليد والوصية بأن يأخذوا من حيث أخذ الشافعي وأحمد . وهؤلاء هم الممثلون الحقيقيون لنهج الصحابة . ولو كان التقليد بين الصحابة مشروعًا لما حذر الشافعي وأحمد وأبو حنيفة ومالك من التقليد .
... ولو كان التقليد عقيدة الصحابة لما مانع الشافعي من ذلك .
... والسؤال المفحم: هل قلد الصحابة علماءهم في كل شئ: في العقائد والأحكام أم في الأحكام دون العقائد ؟
... فإن قال: في الأحكام فقط طولب بالدليل .
وإن قال بلا تفريق ألزمناه بتوقف الأشاعرة في إيمان من يقلد في العقائد فقد قال أبو منصور البغدادي"قال أصحابنا: كل من اعتقد أركان الدين تقليدًا 00 فهذا غير مؤمن بالله ولا مطيع له ، بل هو كافر 00 ومنهم من قال: لا يستحق اسم المؤمن إلا إذا عرف الحق في حدوث العالم وتوحيد صانعه 000 وهذا اختيار الأشعري وليس المعتقد للحق بالتقليد عنده مشركًا ولا كافرًا وإن لم يسمه على الإطلاق مؤمنًا" [4] . ولم يتكلموا في حدوث العالم وتوحيد الصانع .
فهم على طرفي نقيض حيث يحرمون التقليد مطلقًا في أصول الدين حتي على العامة ، وفي المقابل يجبرونه في الأحكام مطلقًا . حتي إنهم يذكرون مسالة هي حرام عند الشافعي ، حلال عند مالك ويختمون المسألة بقولهم: من شاء أن يقلد الشافعي في التحريم فله ذلك ، ومن شاء أن يقلد مالكًا في الإباحة ، فله ذلك إلى هنا تنتهي المسألة عندهم ! .
... ثم قول الحبشي هذا استخفاف بالصحابة الكرام بناء على ما اتفق عليه من أن المقلد جاهل وأنه ليس من أهل العلم . قال السيوطي"إن المقلد لا يسمي عالما" [5]
... ويؤكد هذا الاستخفاف ما اشترطه الحبشي من مواصفات المجتهد وذلك:
(1) شريط ( 3 ) 744 وجه ( 1 ) وأنظر صريح البيان 57 طبعة مجلدة .
(2) أنظر كتاب حجة الله البالغة 1/152- 155 .
(3) أتحاف السادة المتقين 3/437 .
(4) أصول الدين 254 - 255 .
(5) نقلة السندي في حاشية ابن ماجة 1/7 وأقرة