... وكأنه أشد ورعًا منه في وصفها بما تستحق .
... ولولا أعتقداه أنها لا تستحق ما وصفها به لما نفاه عنها ، وهو قول ينتهي إلى مخلافة الغاية من هذا النهى الذي قصد الشرع به سد ذرائع الفتنه ، وهل حسن مقصد المرأة يغير شيئًا من افتتان الرجال بطيب ريحها وربما اشتهاء طلب الوقوع بها ؟!
... وبناء على قولهم هذا فيجوز لها أن تخرج متعطرة والأمر مقيد بحسب قصدها فقط بمقتضى قوله صلى الله عليه وسلم"ليجدوا ريحها"لأنه قد ثبت في سنن الدرامي ( 2548) أن أبا موسى قال"أيما امرأة استعطرت ثم خرجت فيوجد ريحها فهي زانية وكل عين زانية . قال أبو عاصم يرفعه بعض أصحابنا" [1]
... فهذا يؤكد أن اللام هنا للعاقبة وليست للتعليل . والقاعدة الأصولية"إعمال النصين ولو بوجه أولى من إهمال أحدهما"فالقول بلام التعليل يؤدي إلى إبطال رواية الدرامي .
... * لقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم الذاهبة إلى المسجد عن التطيب فقال"إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبًا"وقال"أيما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة" [2] قال ابن دقيق العيد"إن الطيب إنما منع منه لما فيه من تحريك داعية شهوة الرجال [3] وصرح بأن الفقهاء اشترطوا على الخارجة إلى المسجد أن لا تتطيب . فهل ابن دقيق عند الحبشي من الواهمين ؟"
... وعن أبي هريرة أن امرأة لقيته ، فوجد منها ريح الطيب ، فقال لها: أين تريدين يا أمة الجبار ؟ جئت من المسجد ؟ قالت: نعم . قال وله تطيبت ؟ قالت نعم قال سمعت رسول الله يقول لا تقبل صلاة امرأة تطيبت للمسجد حتى تغتسل غسلها من الجنابة" [4] وفي رواية"إذا خرجت المرأة إلى المسجد فلتغتسل من الطيب كما تغتسل من الجنابة" [5] ."
... * ألم تلاحظ أخي كيف أن أبا هريرة سألها عن قصدها ؟ قائلًا"وله تطيبت ؟ أي المسجد"فاعترفت بأن قصدها المسجد ، وفي رواية عند البيهقي في السنن ( 3 / 133 ) فأستحلفها قائلًا ( آلله ؟ ) فحلفت له ثلاث مرات أنها ما أرادت بالتطيب إلا المسجد ومع ذلك أمرها أن ترجع وتغتسل غسلها من الجنابة ، ولم يسمح بالمضي إلى المسجد بعد حلفها .
... فأي شيء أوضح من هذا أيها الزائغون ، ما فهم أبو هريرة هذا التفريق الباطل الذي تفرقونه ، ولم يأذن لها أن تكمل طريقها إلى المسجد مع أنها أخبرته عن نزاهة قصدها . ولم يعهد عن نساء الصحابة خروجهن متطيبات . ومن ادعى ذلك فهو كذاب مفتر .
... * فأي قصد أشرف من التطيب للمسجد ومع ذلك فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المرأة أن تغتسل من التطيب للمسجد غسلها من الجنابة ، فما بالك بالتطيب لغير ذلك . مع هذا فقد أمرها أبو هريرة بناء على ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم أن تغتسل اغتسالها من الجنابة .
(1) سنن الدرامي 2/ 279 .
(2) رواهما مسلم ( 444 )
(3) أنظر إحكام الأحكام 1/199 .
(4) أبو داود ( 4174 ) وأبن ماجه ( 4002 ) وسنده ضعيف ولكن رواه البيهقي بإسناد آخر صحيح ( مشكاة المصابيح 1/334 الصحيحة 3/28 ) .
(5) النسائي 2/283 والبيهقي 3/133 بسند صحيح ( الصحيحة 1031) .