المراسيل عن الشعبي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين بايع النساء أتى ببرد قطري فوضعه على يده وقال"لا أصافح النساء"وروى عبد الرزاق من طريق ابراهيم النخعي مرسلًا نحوه" [1] ."
وبهذه الطريقة استدرج الناس إلى إباحة مصافحة المرأة للرجل بعد التحريم . وهو من الباطل فإنه يصح فيمن تشابكت يده بيد امرأة ولو بحائل أن يقال إنه صافحها ، كما يصح فيمن وضع يده بيد رجل يلبس قفازين أن يقال إنهما تصافحا، وكما أنه لا يجوز مس ذكر الأجنبي بحائل كذلك لا يجوز مس يده بحائل ، لا فرق بينهما .
غير أن الحبشي لا يبالي بقول عائشة"لا والله ما مست يد النبي يد امرأة قط في المبايعة" [2] بل إنه رد هذه الرواية الصحيحة الصريحة بحديث أم عطية الذي أدى الى جدل طويل حول جواز النياحة على الميت فإن فيه أنه - صلى الله عليه وسلم - أباح لأم عطية النياحة على الميت حتى قال المالكية بإباحة النياحة مطلقاَ لهذا الحديث [3] .
ومع هذا كله فليس في حديث أم عطية أي تصريح للمس من غير حائل ، قال الحافظ"يفهم منه بأن مد الأيدي كان من وراء حجاب وإن لم تقع مصافحة"
وكان من فقه الحافظ ابن حجر لرواية عائشة أن قال"وكأن عائشة أشارت بذلك إلى الرد على ما جاء عن أم عطية" [4] .
· ومما تضمنته رواية عائشة قول النبي لإحدى النساء"قد بايعتك كلامًا"قال الحافظ"أي يقول ذلك كلامًا فقط ، لا مصافحة باليد كما جرت العادة بمصافحة الرجال عند المبايعة"وإنما بمد الأيدى من دون مصافحة [5] يؤكد ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أميمة بنت رقيقة"إني لا أصافح النساء وإنما قولي لمئة امرأة كقولي لامرأة واحدة" [6] .
ثم لا يجوز معارضة قول عائشة بمراسيل أبي داود فإن هذه المراسيل لا تقوم بها حجة [7] فضلا عن أن تستعمل في رد صريح قول عائشة الصحيح في اليخاري .
· وهذا الانحراف لا يصدر من مؤمن مخلص يريد النصيحة ويسد أبواب الذريعة لا سيما وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الوعيد الشديد فيمن يمس امرأة لا تحل له ، كما في حديث معقل بن يسار مرفوعًا"لأن يُطعن في رأس رجُل بمخيط خير من أن يمس امرأة لا تحل له" [8] .
(1) صريح البيان 144 .
(2) البخاري ( 4891 ) .
(3) فتح الباري 8/639 .
(4) فتح الباري 8/636 .
(5) فتح الباري 8/ 636 .
(6) إسناد صحيح رواه ابن حبان ( 14 ) والترمذي ( 1597 ) والنسائي 7/149 وابن ماجه ( 2874 ) .
(7) وهو مذب النووي في التقريب ونسبة لأكثر الأئمة من حافظ الحديث ونقا الآثار وهو قول مسلم كما في صحيحه 1/30 ومنهم من قبله بشروط كالشافعي وقال الحافظ في النكت عن الاسفراييني: إذ قال التابعي"قال رسول الله"فلا يعد شيئاَ ولا يقع به ترجيح فضلا عن الأحتجاج به" ( النكت 545 ) وذكر مسلم في مقدمته ان المرسل ليس بحجه وحكي أبن الصلاح في المقدمة ( ص 26 ) استقرار جماهير المحدثين ونقاد الآثر سقوط الاحتجاج بالمرسل ."
(8) صححه الألباني ( سلسلة الصحيحة رقم 226 ) وصححه من يخرج الأحاديث للحبشي ( إظهار العقيدة السنية ) 230 .