وقال آخر:
فعدن بقرقار الهدير كأنما ... شربن حميًا أو بهن جنون (1)
فلم تر عيني قبلهن حمائمًا ... بكين فلم تقطر لهن جفون
وهذا قد أفصح -كما ترى- بأن كل حمام رآه يبكي قبل هذه الحمائم رأى له دموعًا، وهذا محض الجهل، وأظنه أراد أن يقول:
فلم تر عيني قبلهن بواكيا، فقال حمائمًا كما قال جهم بن خلف:
فلم أر باكية مثلها ... تبكي ودمعتها ما ترى (2)
لم يرد باكية من الحمام، ولا من الطير، وإنما أراد بكاية من الإنس مفجعة مثل هذه الحمامة، والله أعلم.
وهذا الفصل ليس من الاحتجاج لأبي تمام في أبياته، وقد كان يجوز أن أتعداه، وأقتصر (3) أيضًا على بعض الشواهد التي تقدمته، ولكن وجدت ذلك متممًا للباب فأوردته.
... وقال أبو تمام:
لئن أرقأ الدمع العيون وقد جرى ... لقد رويت منه خدود نواعم (4)
كما كاد ينسى عهد ظمياء باللوى ... ولكن أملته عليه الحمائم (6)