وهنا موضع الغموض والحدس. إذ ما هو ذلك القطر الذي تعنيه الرواية الإسلامية، والذي كان مستقرا لملك النورمانيين وقت مقدم الغزال؟ لقد كان للفيكنج أو النورمانيين يومئذ ملك في الشمال، في دانماركه، وكان سلطانهم منذ أوائل القرن الثامن يشمل دانماركه وقسمًا من اسكندناوه، وألمانيا الشمالية حتى فريزيا؛ ويلوح لنا من تأمل الوصف الذي تقدمه لنا الرواية الإسلامية عن رحلة الغزال في بحار خطرة مروعة، وعن طبيعية القطر الجزرية، إن هذا القطر هو الدانماركه، فهو شبه جزيرة يحيط بها عدد كبير من الجزائر؛ ومن هذه الجزائر كانت تخرج حملات النورمانيين الغازية إلى البحار الغربية والجنوبية. وكان يجلس على عرش النورمانيين في ذلك الوقت (نحو سنة 844 أو 845 م) ملك يسمى (هوريك) ، وكان النورمانيون يومئذ أحداثًا في النصرانية، حسبما تقول الرواية الإسلامية، لأنهم بدءوا باعتناقها قبل ذلك بنحو عشرين عاما فقط. بيد أن هناك احتمالًا آخر يمكن الأخذ به، وهو أن القطر الذي زاره السفير الإسلامي ليؤدي رسالته إلى زعيم الفيكنج ربما كان جزيرة ارلندة التي تنطبق طبيعتها وموقعها على أوصاف الرواية الإسلامية، وكان الفيكنج قد فتحوها قبل ذلك بأعوام (840م) واستقروا في شمالها، واتخذوا زعيمهم (تورجيس) أو (ترجستر) قاعدة لملكه.
وعلى أي حال فقد لقي السفير المسلم من ملك النورمانيين كل ترحاب وعطف، وأفرد لأقامته وزملائه منزلا حسنًا؛ وتصف لنا الرواية بعد ذلك كيف استقبل الملك الغزال، وكيف أعجب بجرأته وذلاقته ولباقته، وكيف قدم إليه الغزال كتاب الأمير عبد الرحمن وهديته من الثياب والآنية، فوقعت لديه أحسن موقع. ولقي الغزال مثل هذا الإعجاب والعطف في البلاط النورماني كله. ثم تقدم لنا الرواية تفاصيل شائقة عن صلات الغزال بملكة النورمانيين (نود) مواقفه منها، وقد رآها الغزال لأول مرة فراعه حسنها، وصرح أمامها بأنه لم ير في حياته مثل هذا الحسن الشعري الفائق مع كثرة ما شاهد من النساء الحسان في مختلف القصور؛ وكان الغزال يومئذ قد جاوز الخمسين من عمره ولكنه كان لا يزال جذابًا وسيم الطلعة؛ فأعجبت الأميرة بروائه وظرفه وحسن بيانه، وكثيرًا ما كانت تستدعيه للتمتع بحديثه الساحر؛ وكان الغزال من جانبه يهرع إلى مجلسها ويكثر من زيارتها حتى حذره أصحابه من ذلك، ولكنه لم يعبأ بذلك لما يلقاه منها من التشجيع