الفتى دائم التأرجح بين كفتي الفرحة القصوى والحزن الأقصى، فتوهمت الفرصة موانيه تدنيني من مكمن السر!!
رفيقي هذا الذي يحدثني عن سفره بطرب، وعن اعتزام رئيس البعثة انتزاعه من أهله بسهولة، هو وحيد لوالديه، محبوب منهما حتى العبادة.
ما الذي في نفسه منهم يا ترى من البيت ومن أبويه حتى يؤثر المدرسة والتلاميذ عليهم؟
ما الذي في نفسه منهم وهو يفزع إلى الآباء البيض هربًا من والديه مفضلًا الرحيل على البقاء معهما؟
لم يكن في وسعي تحويل الأمر آنذاك وقد كنت فتى أملك قوة اختزان الحوادث لا تعليلها، أدخر عوارض الأشياء لا أنقدها، أنظر إلى كليات المسائل لا جزئياتها، وهكذا صرفت برهة في استقبال خبر السفر كأنها كانت برهة الاستجمام لأعود بعدها إلى صاحبي بنفس قوية، وعزم قاطع، أصرف بهما ذهنه عن هذا الخاطر الطارئ المستحيل التحقيق.
داورت صاحبي بحجة معرفة بواعث هذا السفر المفاجئ، لمحت بالكلام إلى أمر حسبت أنه يكون بمثابة مفتاح للسر، فانقبض مكتئبًا وأشاح بوجهه عني كأنه ندم على ما قال؛ لم يمهلني لأعتذر عن سوء تصرفي وتوضيح قصدي وانصرف، أسقط في يدي وأضاع الفضول الفرصة المواتية. . . . . . ولكني صممت على عمل شيء.
نجحت أولًا في إبلاغ والده خبر سفره سرًا مع الآباء البيض وحاولت إقناع صاحبي بأني لم أكن واشيًا نمامًا بل كنت المحب صادق المودة، أوثر صداقته وأرعى اطراد تقدمنا معًا في مسالك الدراسة. . .
لم ينصت إلى أقوالي؛ غضب مني وبكى من والديه؛ قاطعني وانقطع عن الإيواء إلى البيت، وصار كمكوك الحائط ينصرف من بيت عمته الأرملة وليس فيه رفيق أو صديق، إلى المدرسة التي لم يبق له فيها سوى الوحدة والانفراد ورفقة الكتب وحفظ الدروس.
عبثًا حاولت استرضاءه واسترداد وداده. قطع الرأي على قطيعتي، وثبت على عناده، وهكذا صرنا صديقين متباعدين.
جزنا الامتحان سوية، انتقلنا معًا من مدرسة إلى أخرى، زودتنا الكلية البطريركية بشهادتها العليا، طوحت بنا الأقدار فألقت بواحدنا في مصر وبالثاني في أمريكا لا يعرف الواحد عن