فترضاها لأبيك؟ أما هو فقد خلص من الكدر، وبقيت أنت معلقًا بالخطر؛ واعلم أن المصيبة مصيبتان إن جزعت، وإنما هي واحدة إن صبرت، فلا تجمع الأمرين على نفسك
قدم رجل من عبس، ضرير محطوم الوجه على الوليد، فسأله عن سبب ضرّه، فقال بت ليلة في بطن واد ولا أعلم على الأرض عبسيًا يزيد ماله على مالي، فطرقنا سيل فأذهب ما كان لي من أهل ومال وولد، إلا صبيًا رضيعًا، وبعيرًا صعبًا، فنذّ البعير والصبي معي، فوضعته واتبعت البعير لأحبسه، فما جاوزت إلا ورأس الذئب في بطنه قد أكله، فتركته واتبعت البعير فاستدار ورمحني رمحة حطم بها وجهي، وأذهب عيني. فأصبحت لا ذا مال ولا ذا ولد
فقال الوليد: اذهبوا به إلى عروة ليعلم أن في الناس من هو أعظم بلاء منه، وكان عروة بن الزبير أصيب بابن له وأصابه الداء الخبيث في إحدى رجليه فقطعها، فكان يقول: كانوا أربعة - يعني بنيه - فأبقيت ثلاثة وأخذت واحدًا، وكن أربعًا - يعني يديه ورجليه - فأخذت واحدة وأبقيت ثلاثة؛ أحمدك، لئن كنت أخذت لقد أبقيت، ولئن كنت أبقيت لقد عافيت. وشخص إلى المدينة فأتاه الناس يبكون ويتوجعون، فقال: إن كنتم تعدونني للسباق والصراع فقد أودى، وإن كنتم تعدونني للسان والجاه فقد أبقى الله خيرًا كثيرًا. .
وعزى موسى بن المهدي سليمان بن أبي جعفر عن ابن له فقال: أيسرك وهو بلية وفتنة، ويحزنك وهو صلاة ورحمة؟
وعزّى سهل بن هارون فقال: التهنئة على آجل الثواب، أولى من التعزية على ما حلّ من المصيبة
وقال عبد الله بن الأهتم: مات لي ابن وأنا بمكة، فجزعت عليه جزعًا شديدًا، فدخل عليّ ابن جُريج يعزيني، فقال يا أبا محمد، اسلُ صبرا واحتسابًا، قبل أن تسلو غفلة ونسيانًا
وعزّى عليّ كرم الله وجهه الأشعث عن ابنه، فقال: إن تحزن فقد استحقت ذلك منك الرحم، وإن تصبر فإن في الله خلفًا من كل هالك، مع أنك إن صبرت جرى عليك القدر