سبيل الاستقلال، والجهاد لنفض غبار الاستعمار عن أديم الوادي، وتصويره لهذه الأحداث تصوير انفعالي قوي. ألا ترى كيف بكى يوم قال له فرنسي وقح (الانجليز أسيادكم) وعاد إلى فندقه يتبرز دمًا ومخاطًا. ألا ترى كيف أن حادث دنشواي الفاجع جعله في حالة غثيان وذهول لا يستطيع الطعام أيامًا. أو لا ترى أن الشيء الوحيد الذي أعرب الأستاذ سلامه عن أسفه عليه في كتابه هذا هو أن الرقابة قيدة حرية كتابته خمسة عشر عامًا في الحربين العالميتين الأولى والثانية. ولم يأسف على فقد أمه ولا على فقد شقيقاته ولا على السجن الذي زج به فيه قدر أسفه على تكبيل حرية قلمه في هذه الفترة الطويلة.
والأستاذ سلامه يعيش للمستقبل لا للماضي فيقول إن الطاقة الذرية أنشأت عنده مركب نقض ما فتئ يعانيه منذ ما انفجرت قنبلة نيومكسيكو ثم قنبلة هيروشيما. ويقول إنه في السنوات العشر القادمة - إذا جاز له أن يرجو مد عمره فيها - سيدرس الذرة درسًا مستفيضًا ولو اقتضاه ذلك استئجار مدرس خاص لأن خطورتها أكبر من أن يهملها رجل مثقف. وأمنيته في هذه السنوات التي لما تجيء هو أن يزور أوربا ويطوف في أرجائها، ولكنه يخشى إن فعل أن تعمد السلطات المصرية إلى تجريده من جنسيته كما فعلت من قبل بالأستاذ محمود حسني العرابي حين انتهزت فرصة سفره إلى ألمانيا وجردته من جنسيته لا لسبب إلا لدعوته التحررية الفكرية. وهو يريد أن يختم حياته في الريف المصري لأنه يرى فيه جمالا لا يراه في المدن، يريد أن يصادق الخراف والحمير والبقر والشجر، يريد أن يتحدث إلى النجوم ويحيي الشمس في الصباح ويضحك مع الماء يجري بين النبات ويأكل الخس والفجل على حرف القناة.
وبعد، فهذا كتاب تلونه مرتين وأرجو أن أتلوه مرتين أخريين على القليل فقد شغل تفكيري ونشط حواسي وأنهض عزيمتي وأرشدني إلى آفاق كان حريًا أن لا أقف عليها. كتاب بدل عندي قيم الأشياء وجعلني أستعير من الطفل رغبته الدائمة في الاستطلاع وإلحاحه المستمر في الاستفهام والسؤال.
وكأني بالأستاذ سلامه موسى يريد أن يقول لقرائه: كونوا كونيين. . . إفتحوا أذهانكم لكل جديد. . . لا تعيشوا بعيدًا عن الواقع. . . انهلوا من موارد المعرفة غزيرًا،. . . قاوموا السلفية والتأخرية والجمود. . . تعصبوا للبشرية عامة. . . آمنوا فبغير الإيمان لا يكون