تناكر أو تنافر، وبدون إفراط أو تفريط. وعندئذ تكون (العدالة) حقيقية جارية، في الكيان العام، غير محتاجة إلى توكيد وجودها، أو البكاء على أطلالها، وحسبها أن يطرد النمو اطرادًا ثابتًا تكون فيه النسبة محفوظة على الدوام بين الجميع، كخطوط العرض المتوازية التي لا تلتقي أبدًا على سطوح الأرض على الرغم من دورانها حول نفسها وحول الشمس، وعلى الرغم من اختلاف الليل والنهار، مادام محمر الأرض عمودًا مستقيمًا على خط الاستواء بين الشمال والجنوب. إذن لابد من قوامين على العدالة حتى تختفي أشباح المظالم، وتتواري الهياكل المتجبرة التي تبغي العلو في الأرض بغير الحق، فلتكن العيون يواقظ متنبهة لتحذير المتنبي إذ يقول:
نامت نواطير مصر عن ثعالبها ... حتى بشمن وما تفنى العناقيد
ونحن إنما ننشد لعناقيد الحق، هذه (النواطير) لا تلك (الطراطير) ، ويومئذ ينقطع دابر كل ثعلب يتسلل نهارًا جهارًا إلى كل كرمة نام عن جناها، من بيده سقاها ورعاها. والذي نخشاه هو أن يتواكل الجميع يوم يتبدل الثمر الحلو في أفواههم مرًا لا يذاق، فيصبح المرء لا يرى بعد الثعالب العنب، إلا طيور الحنظل، فلا يهش ولا ينش، وإنما يقول وقد عبس وتولى:
لا أذود الطير عن شجر ... قد بلوت المر من ثمره
أما إذا خشينا انهيار الصرح العظيم الذي بنيانه المرصوص مؤتلف من الآحاد والعشرات، أو الأفراد والجماعات، فما علينا إلا إجراء عملية (الصقل البشري) على الدوام، لننحت من الغرائز الحجرية قوالب متساوية، تنبض بالحياة، وينسجم بها البناء المتساوي السيقان، فلا يكون به نتوءات أو مغارات تأوي إليها حشرات الفساد، حيث نريد الإصلاح.
والتعهد المستمر للنفوس، يزيدها صقلًا ولمعانًا، ويكسبها كذلك مناعة طبيعية من الانحلال الخلقي، فلا تفسد مع الأهواء الطارئة، ولا تنحدر مع التيارات الجارفة، ولن يكون هذا التعهد ضامنًا إلا بالأخذ من معالم القوة والعزة، ومعارف الخير والحق، مما يجعل الدين والآداب والتاريخ والعرف والقانون تسير جميعًا بالدارسين نحو تدعيم الأمانة العامة، وتقوية أركانها، لترتفع في أعاليها رايات العدات في مختلف أحجاما، ومتباين ألوانها وأجناسها.