الأمر، وتفرج الكرب، وعلم الله ما كنت سببًا في شيء مما حدث، وإن كان مدعاة لسروري أن أرى صديقًا لي أثيرًا عندي يزيح الله همه ويرزقه من حيث لا يحتسب.
ولا يغني اعتذاري عني شيئًا، ولا ارتباطي بموعد استبق هذه الزورة وعسير الفكاك منه، أن أمسي ضيقًا عنده، وكان أن ذبح لي دجاجة ليس كمثلها في الدجاج! وقعت عليها فطويتها وملحقاتها من المرق والإدم، حتى لحقني البشم وعييت عن التنفس والكلام!
ومن يوم هذه الواقعة أضحيت اثيرًا عند صديقي الحائك، وزاد في إعزازي عن ذي قبل، فكان يجد في تعقبي كلما أطلت الغياب، ويترصد مظاني كنت حيث كنت، ورأيت هذا منه فأبيت إلا أدالًا عليه، لأعرف منزلتي عنده، فكنت أشيح عنه كلما رأيته، وأفر منه كلما رآني. وإن يشهد مني ذلك سيتضحك كثيرًا ويصيح لي: أيها الخبيث المكار! وظلت هذه حالي معه حتى حالت بيني وبينه ظروف المكان، فنزحت الدار وشط المزار، وإني اليوم وإن كنت أستحس برجاء الألم لفراق ذياك الصديق ما برحت أجد في جوانب نفسي أثارة حلوة من بعض هذي الذكريات العذاب.
كان بيني وبين صديقي (فلان) ظل من الصداقة ممدود، فكنا لا نفترق إلا على ميعاد من لقاء، ما يكف أحدنا عن ازديار الآخر مهما تجيء الظروف، وحيث منت كانزاطوت على ذلك الحب البريء جملة من الزمن وهو لا يزداد إلا ينعًا وإيراقًا وازدهارًا، ذلك إلى ما بيني وبينه من المصالح المتبادلة من أخذ وعطاء.
كان صاحبي هذا لا يسافر إلا وأنا له مودع، ولا يؤوب إلا وأنا له مستقبل، وما كان يطوي عني شيئًا مما يخالج في قرارة نفسه من أمر. وهكذا كان شأني معه. فلما قضى الأمر وأريد له أن يبرح المدينة إلى الأقاليم ليقوم على أعماله المتشعبة، لحقني من الحزن على فراقه ما يتقاصر اليراع عن إثباته. بكى يومها وبكيت أنا امضاضة الافتراق، وكان بيننا ميثاق غليظ على التوافي والادكار. وقد بر بقسمه فلا يستدبر الأسبوع حتى يبرد إلى الكتاب والكاتبين، وما كانت كتبه تحوي إلا كل لفظ جميل يدل على معنى جميل يكون له في نفسي وقع جميل.
ولحتني في أحد الأعوام شكاة أزمت معي وتطاولت مدتها حتى اسيقنت أني في غايتها مستأثر بي الله أن حان حيني، ووالله ما آسف على شيء مما حولي فما خلقت من سبد ولا