بل نَفَوْا عن أنفسهم، لا عن ربِّهم جلَّ وعزَّ وتبارك وتعالى معرفة حقيقة الذات المقدسة، وما يتعلق بها على التفصيل، وأثبتوا المحارة [1] في ذلك بالنسبة إلى أنفسهم لقصور البشر عن إدراك ذلك [2] الجلال الأعزِّ، وبُعدِ مَنْ صوَّره الله تعالى من التراب عن بلوغ الغاية القصوى في معرفة ربِّ الأرباب تصديقاً لقوله تعالى: {ولا يُحيطُونَ به علمَاً} [طه: 110] ، لا بالنسبة إلى علم الله تعالى المحيط الذي لا يجوزُ أن يدخُلَه نقصٌ، ولا وقفٌ، ولا حَيرة، ولا شُبهةٌ، ولذلك ذهبوا إلى أنه تعالى [3] يعرف ذاته معرفة المفردات، وهي على الحقيقة المعرفة التامة.
وأما العباد، فإنما يعلمون نسبة الأسماء والنعوت إليها كنسبة الوجود وصفات الكمال، ولا يعرفون الذات التي نُسبَت [4] إليها هذه الأمور، وذلك الذي يختص به العباد يُسمى علماً لا معرفة عند أهل اللغة وأهل المعقولات، لأن العلم يتعدَّى إلى مفعولين، كما تقول: علمت الله موجوداً عليماً قديراً، وأمَّا المعرفة، فلها مفعولٌ واحدٌ مفردٌ. ومذهبُ أهل الأثر في هذا هو المعروف عن عليٍّ كرَّم الله وجهه [5] ، وبه فسَّر ابن أبي الحديد -مع اعتزاله [6] - قوله عليه السلام في وصف عزة [7] الربِّ جل جلاله عن إدراك العقول لحقيقة ذاته، قال عليه السلام:"امتنع منها بها، وإليها حَاكَمَها". أراد عليه السلام أن العقول عرفت قصورها عن دركِ حقيقة الذات المقدسة، وكان الامتناع من ذلك بالعقول، وإلى العقول حاكم العقول، شبَّه العقل [8] بالخصم المدعي لما لا
(1) وفي (ش) : المحاراة.
(2) ساقطة من (ش) .
(3) في (أ) :"ذهبوا أن الله تعالى"، وفي (ش) :"ذهبوا إلى أن الله تعالى".
(4) في (ش) : تنسب.
(5) في (ب) : عليه السلام.
(6) في (ب) اعترافه.
(7) ساقطة من (ش) .
(8) في (أ) :"شبهة العقل"، وفي (ب) و (ج) :"شبه العقول"، وفي (ش) :"حاكم العقول".