فهرس الكتاب

الصفحة 429 من 3702

وَهمُهُ وصدقُه متساويين في الرُّجحان، أو كان وهمُه راجحاً على صِدقه، وهذا مردودٌ بلا شكٍّ، سواءً كان رافعاً للنسخ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو كان واقفاً له دونَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وإنما الكلامُ في مَنْ قوِيَ في الظن، ورجح في العقل أنه صادق في قوله.

فإن قلت: فرقٌ بينَ ما رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبين ما وقفه على نفسه، أو على غيره، وذلك لأن ما رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يحتمل أنَّه بناه على الوهم، وإنَّما يحتمل أنَّه كَذَبَ على النبي - صلى الله عليه وسلم - أو صدق فيه، لكن احتمال الكذب بعيدٌ عن الثقات، أمَّا الوهم فكثير.

قلت: ليس الأمرُ كما توهمتَ، بل قد نصَّ العلماء على جواز الوهم على الراوي في تأديته للفظ الحديث النبوي، والدليل على ذلك وجهان:

أحدُهما: قوله -عليه السلام- في الأحاديث الصحيحة:"مَنْ كذَبَ علَيَّ مُتَعَمِّداً فلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّار" [1] فقوله"متعمِّداً"يَدُلُّ على أنَّه يجوز على الراوي أن يُخطِىء في النقل، لكِنَّه تجويزٌ بعيدٌ مرجوح، فلم يُعتبر، فلذلك قالت عائشة لمّا سَمِعَت ابنَ عمر يروي حديث:"إنَّ الميِّتَ ليعذَّبُ بِبُكَاءِ أهْلِهِ علَيْهِ" [2] : ما كذب ولكنَّه وَهم [3] .

(1) تقدم كلام المؤلف عليه وانظر التعليق عليه هناك ص 190.

(2) أخرجه من حديث ابن عمر البخاري (1288) و (1289) و (3978) ومسلم (928) (930) وانظر"الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة"ص 77، وشرح السنة 5/ 441 - 242، وتلخيص الحبير 2/ 141. و"فتح الباري"3/ 150.

(3) في (أ) و (ج) فوق كلمة"وهم"ما نصه: وَهِل خ، أي: نسخة، وهي كذلك عند مسلم (932) والنسائي 4/ 17، وأبي داود (3129) . وهما بمعنى يقال: وهِمَ وَوَهِلَ، أي غَلِطَ.

وفي"الموطأ"1/ 224 ومسلم (931) "يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت