فنونهم التي ظهرت عنايتُهُم فيها حتى يتبيَّنَ جرحُهُم.
فهذه الوجوهُ مما يُمْكِنُ أن يَقْوَى بها قولُ أبي عُمَرَ بن عبد البَرِّ. وقد قال ابنُ الصَّلاَح: إن في قوله اتِّساعاً غيرَ مرضيٍّ [1] .
ولا شكَّ أن المسألة محتملةٌ للنظر، وأن في أدلَّتِه قُوَّةً.
فإن قلتَ: نِسبةُ هذا القولِ إلى ابنِ عبد البَرِّ وحدَهُ تدلُّ على شُذُوذه وإصْفَاقِ [2] العلماء على مخالفته.
قلتُ: ليس كذلِكَ، فقد ذهب جماعة من العلماء إلى قبول المجهول مطلقاًً، سواءً كان مِن أهل العِلْمِ أو لم يكن منهم، وهو أحَدُ قَوْلي المنصور بالله -عليه السلامُ-، وجزم الفقيهُ عبدُ الله بن زيد به، وقال: هو مذهبُنا، حكاه في"الدرر المنظومة"وحكاه الإمامُ المنصورُ بالله عن الشافعيِّ [3] في كتاب"الصفوة"وهو مذهبُ الحنفيةِ بأسرهم [4] .
(1) مقدمة ابن الصلاح ص 138.
(2) إصفاق مصدر أصفق، يفال: أصفقوا على كذا، أي: أطبقوا عليه قال يزيد بن الطثرية:
أثيبي أخَا ضَارُورَةٍ أصْفَق العِدَى ... عَلَيْه وَقَلَّتْ في الصِّدِيق أوَاصِره
(3) هذا المحكي عن الشافعي لا يصح، ففي الرسالة ص 370: ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أموراً منها: أن يكون من حدَّث به ثقة في دينه، معروفاً بالصدق في حديثه، عاقلاً لما يحدث به، عالماً بما يحيل معاني الحديث من اللفظ ... وفي اختلاف الحديث ص: والظاهر في المجهول: هو من لا تعرف عدالته عن خبرة أو عينه.
وقال الإسنوي في"نهاية السول"3/ 138: إن الشخص إذا علمنا بلوغه وإسلامه،
وجهلنا عدالته، فإن روايته لا تقبل كما نقله الإمام وغيره عن الشافعي، واختاره هو والآمدي وأتباعهما.
وقال السبكي في"جمع الجوامع"2/ 150، 151، بشرح المحلي وحاشية البناني: فلا يقبل المجهول باطناً وهو المستور خلافاً لأبي حنيفة وابن فورك وسليم، وقال إمام الحرمين: يوقف ويجب الانكفاف إذا روى التحريم، أما المجهول ظاهراً وباطناً فمردود إجماعاً.
(4) قال في"مسلم الثبوت وشرحه"2/ 146: مجهول الحال من العدالة والفسق، وهو =