نزولها، وإما للذم لمن نزلت فيه الآية كما في قوله تعالى: {وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا} [الكهف: 51] مع أنَّه سبحانه لا يتخذ عَضُداً من المضلين ولا مِن غيرهم، وقد ذكر الزمخشري رحمه الله أن المعنى: وما كنتُ مُتخِذَهُم عضُداً، ولكن ذَكَرَ المضلين للذم [1] وقد حكم في"الكشاف"بمثل هذا في مواضِعَ كثيرة، فكذا يُمْكِنُ أن يكونَ وضع الفاسق في موضع ما هو أعَمُّ منه، كما لو قال: إن جاءكم أحدٌ ليفيد الذم، وتلك الفائدة حاصلة بالعام لو أتى به معروفة، أو وضع الفاسق موضع ما هو أخصُّ منه، وهو الوليدُ [2] ليفيدَ الذم، والفائدة أيضاًً معروفة فتأمَّل ذلك.
فإن قلتَ: ما المانعُ من القول بأن المعنى: وإن لم يأتكم فاسق، فلا تَبَيُّنُوا، وهلاَّ قلت: إن هذا المعنى صحيح، ولا يمنع منه ما في ظاهره من النهي من التبين، لأنَّه لم ينه عنه لأمر يعود عليه في نفسه، ولكن نهى عن طلبه لِحصوله، كأنه قال: وإن جاءكم مسلم، فقد حصل البيان، فلا تطلبوا البيان.
قلتُ: الجواب أنَّه لا يَصِحُّ القطعُ على أن هذا هو المراد لوجهين.
أحدُهما: أنا بينا أن المفهومَ لا يصح أن يكونَ: وإن جاءكم مسلم، وإنما المفهوم وإن لم يأتكم فاسق. ويدل عليه وجوه.
(1) "الكشاف"2/ 488.
(2) هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط القرشي الأموي، أخو أمير المؤمنين عثمان بن عفان لأمه، أسلم يوم الفتح، وسيذكر المصنف ذلك قريباً، وفيه نزل قوله تعالى {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} وانظر أخباره في"طبقات ابن سعد"6/ 24 و7/ 476 ونسب قريش ص 138، و"الجرح والتعديل"9/ 8 والأغاني 5/ 122، وتاريخ ابن عساكر 17/ 434 ب و"العقد الثمين"7/ 398، والإصابة 3/ 637 و"تهذيب التهذيب"11/ 142.