للإسلام. فعندما تقابل الفرسان الصليبيون مع العرب (البرابرة السارقين) ، فوجئوا بحضارة تفوق حضارتهم. فرجع كثير من الفرسان منزعجين مما رأوا وعاينوا في الأرض المقدسة: مستوى معيشة لا تعرفه أوروبا ذلك الوقت، معرفة القراءة والكتابة، علوم طبية مزدهرة، فروسية حقيقية وتسامح، جسّدها صلاح الدين البطل الكردي. كانت حضارة تماثل تلك التي ازدهرت في الأندلس تجعل الخصوم المسيحيين يخجلون من أنفسهم، كاشفة لهم أنه إذا كان هناك برابرة، فذلك هم [1] .
ولذلك فقد عمد هؤلاء الصليبيون على تشويه صوره المسلمين لكسب الدعم والتعاطف من شعوبهم وقد ساعدهم في ذلك كثير من رجال الدين وهذا ما يعترف به المستشرق الهولندي (فان كوننكز فيلد) ، الذي أصدر عدة كتب تشرح الإسلام عقائد وأحكامًا اقترب فيها من الموضوعية والنزاهة، تحدث في كتابيه (أسطورة الخطر الإسلامي في الغرب) ، و (حديث حول الإسلام في العصر الحديث) ، مبينًا الصورة المشوهة التي يحملها الغربيين تجاه الإسلام، وأن لها جذورًا في الفكر اللاهوتي المسيحي. وقبل ذلك أشار الفيلسوف المؤرخ الفرنسي (غوستاف لوبون) في كتابه (حضارة العرب) إلى هذه الظاهرة في التفكير الغربي الحديث الذي يزعم لنفسه التحرر والموضوعية والعلمية، ثم يقف بإزاء الإسلام وقضاياه موقفًا آخر تمليه عليه عصبية خفية [2] .
كما أن المستشرقين أظهروا شبه إجماع على ضرورة التصدي للإسلام ومواجهة المد الإسلامي وقمع الظاهرة الأصولية، وإن كانوا قد اختلفوا في الأساليب التي طرحوها لهذه المواجهة، حيث كانت الحلول المقترحة لمواجهة المد الإسلامي كثيرة لا يمكن حصرها في هذا البحث، ولكنها جميعًا تؤكد على أن أصولية الإسلام تشكل خطرًا كبيرًا على الأمن والسلام، وعلى العلاقات بين الشرق والغرب. وأن المناهج الأصولية متزمتة وراديكالية لا ماضٍ ولا مستقبل لها. لهذا فإن قادة الغرب ـ استنادًا إلى دراسات المستشرقين يراهنون على خيار واحد فقط، وهو سحق هذه التوجهات وتبديدها، ولو أدى
(1) الإسلام عام 2000 - د. مراد هوفمان- ترجمة: عادل المعلّم - مكتبة الشروق.
(2) راجع كتاب حضارة العرب - غوستاف لوبون - عادل زعيتر - د. ن, 1969