فهرس الكتاب

الصفحة 2354 من 3554

{وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} لَنَا دِينُنَا وَلَكُمْ دِينُكُمْ، {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ سَلَامُ التَّحِيَّةِ، وَلَكِنَّهُ سَلَامُ الْمُتَارَكَةِ، مَعْنَاهُ: سَلِمْتُمْ مِنَّا لَا نُعَارِضُكُمْ بِالشَّتْمِ وَالْقَبِيحِ مِنَ الْقَوْلِ، {لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} أَيْ: دِينَ الْجَاهِلِينَ، يَعْنِي: لَا نُحِبُّ دِينَكُمُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: لَا نُرِيدُ أَنْ نَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَهْلِ وَالسَّفَهِ، وَهَذَا قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ الْمُسْلِمُونَ بِالْقِتَالِ (1) .

{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57) }

قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} أَيْ: أَحْبَبْتَ هِدَايَتَهُ. وَقِيلَ: أَحْبَبْتَهُ لِقَرَابَتِهِ، {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} قَالَ مُجَاهِدٌ، وَمُقَاتِلٌ: لِمَنْ قُدِّرَ لَهُ الْهُدَى، نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ: لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ، يَقُولُونَ: إِنِّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ، لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ (2) .

{وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} مَكَّةَ، نَزَلَتْ فِي الْحَرْثِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي تَقُولُ حَقٌّ، وَلَكِنَّا إِنِ اتَّبَعْنَاكَ عَلَى دِينِكَ خِفْنَا أَنْ تُخْرِجَنَا الْعَرَبُ مِنْ أَرْضِنَا مَكَّةَ (3) . وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} 64/ب، وَالِاخْتِطَافُ: الِانْتِزَاعُ بِسُرْعَةٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا} وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَتْ تُغِيرُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَيَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَأَهْلُ مَكَّةَ آمِنُونَ حَيْثُ كَانُوا، لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ، وَمِنَ الْمَعْرُوفِ أَنَّهُ كَانَ يَأْمَنُ فِيهِ الظِّبَاءُ مِنَ الذِّئَابِ وَالْحَمَامُ مِنَ الْحِدَأَةِ، {يُجْبَى} قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَيَعْقُوبُ:"تُجْبَى"بِالتَّاءِ لِأَجْلِ الثَّمَرَاتِ، وَالْآخَرُونَ بِالْيَاءِ لِلْحَائِلِ بَيْنَ الِاسْمِ الْمُؤَنَّثِ وَالْفِعْلِ، أَيْ: يُجْلَبُ وَيُجْمَعُ، {إِلَيْهِ} يُقَالُ: جَبَيْتُ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ أَيْ: جَمَعْتُهُ، قَالَ مُقَاتِلٌ: يُحْمَلُ إِلَى الْحَرَمِ، {ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} أَنَّ مَا يَقُولُهُ حَقٌ.

(1) راجع فيما سبق: 3 / 32 تعليق (1) .

(2) أخرجه مسلم في الإيمان، باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ... برقم (24) : 1 / 55، وأخرجه البخاري مطولا بلفظ آخر في التفسير: 8 / 506. وانظر: الدر المنثور 6 / 428، أسباب النزول للواحدي ص (390) .

(3) عزاه السيوطي في الدر (6 / 430) للنسائي وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما: وانظر: المحرر الوجيز: 12 / 177.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت