فهرس الكتاب

الصفحة 3442 من 3554

{أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) }

{أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ} قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ [وَقَتَادَةُ: أَيَظُنُّ] (1) أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَرَهُ، وَلَا يَسْأَلُهُ عَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَأَيْنَ أَنْفَقَهُ؟

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: إِنَّهُ كَانَ كَاذِبًا فِي قَوْلِهِ أَنْفَقْتُ كَذَا وَكَذَا، وَلَمْ يَكُنْ أَنْفَقَ جَمِيعَ مَا قَالَ، يَقُولُ أَيُظَنُّ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَرَ ذَلِكَ مِنْهُ فَيَعْلَمَ مِقْدَارَ نَفَقَتِهِ، ثُمَّ ذَكَّرَهُ نِعَمَهُ لِيَعْتَبِرَ، فَقَالَ: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ} قَالَ قَتَادَةُ: نِعَمُ اللَّهِ مُتَظَاهِرَةٌ يُقْرِرْكَ بِهَا كَيْمَا تَشْكُرَ، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ابْنَ آدَمَ إِنْ نَازَعَكَ لِسَانُكَ فِيمَا حَرَّمْتُ عَلَيْكَ فَقَدْ أَعَنْتُكَ عَلَيْهِ بِطَبَقَتَيْنِ فَأَطْبِقْ، وَإِنْ نَازَعَكَ بَصَرُكَ إِلَى بَعْضِ مَا حَرَّمْتُ عَلَيْكَ، فَقَدْ أَعَنْتُكَ عَلَيْهِ بِطَبَقَتَيْنِ، فَأَطْبِقْ، وَإِنْ نَازَعَكَ فَرْجُكَ إِلَى مَا حَرَّمْتُ عَلَيْكَ فَقَدْ أَعَنْتُكَ عَلَيْهِ بِطَبَقَتَيْنِ فأطبق (2) . {وَهَدَيْنَاهُ 193/أالنَّجْدَيْنِ} قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: طَرِيقُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَالْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالَةِ، كَقَوْلِهِ:"إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا"وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:"وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ"قَالَ: الثَّدْيَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالضَّحَّاكِ، وَالنَّجْدُ: طَرِيقٌ فِي ارْتِفَاعٍ. {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} يَقُولُ: فَهَلَّا أَنْفَقَ مَالَهُ فِيمَا يَجُوزُ بِهِ مِنْ فَكِّ الرِّقَابِ وَإِطْعَامِ السَّغْبَانِ، فَيَكُونُ خَيْرًا لَهُ مِنْ إِنْفَاقِهِ عَلَى عَدَاوَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ وَجَمَاعَةٍ.

وَقِيلَ:"فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ"أَيْ لَمْ يَقْتَحِمْهَا وَلَا جَاوَزَهَا. وَالِاقْتِحَامُ: الدُّخُولُ فِي الْأَمْرِ الشَّدِيدِ، وَذِكْرُ الْعَقَبَةِ هَاهُنَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمُجَاهِدَةِ النَّفْسِ وَالْهَوَى وَالشَّيْطَانِ فِي أَعْمَالِ الْبِرِّ، فَجَعَلَهُ كَالَّذِي يَتَكَلَّفُ صُعُودَ الْعَقَبَةِ، يَقُولُ: لَمْ يَحْمِلْ عَلَى نَفْسِهِ الْمَشَقَّةَ بِعِتْقِ الرَّقَبَةِ وَلَا طَعَامٍ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ قَتَادَةَ.

وَقِيلَ: إِنَّهُ شَبَّهَ ثِقَلَ الذُّنُوبِ عَلَى مُرْتَكِبِهَا بِعَقَبَةٍ، فَإِذَا أَعْتَقَ رَقَبَةً وَأَطْعَمَ كَانَ كَمَنِ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَجَاوَزَهَا.

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ هَذِهِ الْعَقَبَةَ جَبَلٌ فِي جَهَنَّمَ (3) .

(1) ما بين القوسين ساقط من"أ".

(2) انظر: ابن كثير: 4 / 513، الدر المنثور: 8 / 521.

(3) أخرجه الطبري: 30 / 201. وزاد السيوطي في الدر المنثور: 8 / 522 عزوه لابن أبي شيبة وابن أبي حاتم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت