وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانُوا قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَأْخُذُونَ الرَّجُلَ بِذَنْبِ غَيْرِهِ، كَانَ الرَّجُلُ يُقْتَلُ بِقَتْلِ أَبِيهِ وَابْنِهِ وَأَخِيهِ وَامْرَأَتِهِ وَعَبْدِهِ، حَتَّى كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَبَلَّغَهُمْ عَنِ اللَّهِ:"أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى".
{وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) }
{وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} أَيْ: عَمِلَ، كَقَوْلِهِ:"إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى"، (اللَّيْلِ-4) وَهَذَا أَيْضًا فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا مَنْسُوخُ الْحُكْمِ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، بِقَوْلِهِ:"أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ"، (الطُّورِ-21) فَأَدْخَلَ الْأَبْنَاءَ الْجَنَّةَ بِصَلَاحِ الْآبَاءِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: كَانَ ذَلِكَ لِقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، فَأَمَّا هَذِهِ الْأُمَّةُ فَلَهُمْ مَا سَعَوْا وَمَا سَعَى لَهُمْ غَيْرُهُمْ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً رَفَعَتْ صَبِيًّا لَهَا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ:"نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ" (1) .
وَقَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ:"نَعَمْ" (2) .
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ:"وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى"يَعْنِي الْكَافِرَ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَلَهُ مَا سَعَى وَمَا سُعِيَ لَهُ (3) .
وَقِيلَ: لَيْسَ لِلْكَافِرِ مِنَ الْخَيْرِ إِلَّا مَا عَمِلَ هُوَ، فَيُثَابُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ فِي الْآخِرَةِ خَيْرٌ
(1) أخرجه مسلم في الحج، باب صحة حج الصبي وأجر من حج به، برقم: (1336) : 2 / 974.
(2) أخرجه البخاري في الجنائز، باب موت الفجأة: 3 / 254، ومسلم في الزكاة، باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه، برقم: (1004) : 2 / 696، والمصنف في شرح السنة: 6 / 199.
(3) انظر: البحر المحيط: 8 / 168، القرطبي:17 / 114.