فهرس الكتاب

الصفحة 2987 من 3554

تَعَالَى:"وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ" (الزُّخْرُفِ-87) .

وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِلَّا لِيَخْضَعُوا إِلَيَّ وَيَتَذَلَّلُوا، وَمَعْنَى الْعِبَادَةِ فِي اللُّغَةِ: التَّذَلُّلُ وَالِانْقِيَادُ، فَكُلُّ مَخْلُوقٌ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ خَاضِعٌ لِقَضَاءِ اللَّهِ، مُتَذَلِّلٌ لِمَشِيئَتِهِ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ لِنَفْسِهِ خُرُوجًا عَمَّا خُلِقَ عَلَيْهِ.

وَقِيلَ:"إِلَّا لِيَعْبُدُونِ"إِلَّا لِيُوَحِّدُونِي، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُوَحِّدُهُ فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُوَحِّدُهُ فِي الشِّدَّةِ وَالْبَلَاءِ دُونَ النِّعْمَةِ وَالرَّخَاءِ، بَيَانُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ:"فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ". (الْعَنْكَبُوتِ-65) .

{مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (59) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60) }

{مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ} ، أَيْ: أَنْ يَرْزُقُوا أَحَدًا مِنْ خَلْقِي وَلَا أَنْ يَرْزُقُوا أَنْفُسَهُمْ، {وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} ، أَيْ: أَنْ يُطْعِمُوا أَحَدًا مِنْ خَلْقِي، وَإِنَّمَا أَسْنَدَ الْإِطْعَامَ إِلَى نَفْسِهِ، لِأَنَّ الْخَلْقَ عِيَالُ اللَّهِ وَمَنْ أَطْعَمَ عِيَالَ أَحَدٍ فَقَدْ أَطْعَمَهُ. كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى:"اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي" (1) أَيْ: لَمْ تُطْعِمْ عَبْدِي، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الرَّازِقَ هُوَ لَا غَيْرُهُ فَقَالَ:

{إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ} ، يَعْنِي: لِجَمِيعِ خَلْقِهِ، {ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} ، وَهُوَ الْقَوِيُّ الْمُقْتَدِرُ الْمُبَالِغُ فِي الْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ.

{فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا} ، كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، {ذَنُوبًا} ، نَصِيبًا مِنَ الْعَذَابِ {مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ} ، مِثْلَ نَصِيبِ أَصْحَابِهِمُ الَّذِينَ هَلَكُوا مَنْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ، وَأَصْلُ"الذَّنُوبِ"فِي اللُّغَةِ: الدَّلْوُ الْعَظِيمَةُ الْمَمْلُوءَةُ مَاءً، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الْحَظِّ وَالنَّصِيبِ، {فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ} ، بِالْعَذَابِ يَعْنِي أَنَّهُمْ أُخِّرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} . يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقِيلَ: يَوْمُ بَدْرٍ.

(1) قطعة من حديث أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب، باب فضل عيادة المريض، برقم: (2569) : 4 / 1990.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت