(ج1/ 9)
لذِي يُسَمِّيه النحويون جمع الْجمع، فَإِن اللغويين جمًّا لَا يميزون الْجمع من اسْم الْجمع، وَلَا ينتبهون على جمع الْجمع. وَمن الْأَبْنِيَة مَا يجوز أَن يكون جمعا، وَأَن يكون جمع جمع، وَذَلِكَ أدقّ مَا فِي هَذَا الْجِنْس المُقتضي للْجمع، فَإِذا مَرَرْنَا فِي كتَابنَا بِمثل هَذَا النَّوْع من الْجمع، أعلمنَا أَيهمَا أولى بِهِ: الْجمع أم جمع الْجمع، كَقَوْلِه تَعَالَى: (فَرُهُنٌ مَقْبُوضَةٌ) . فَهَذَا إِمَّا أَن يكون جمع رهن، كسَحْل وسُحُل، وسَقْف وسُقُف، وَإِمَّا أَن يكون رهن كُسِّر على رِهان، ثمَّ كسِّر رهان على رُهُن، فَيكون على هَذَا رُهُن جمع الْجمع، لِأَن الْجمع إِذا كَانَ على شكل الْوَاحِد، ثمَّ كسر، فَحكمه أَن يكسر على مَا كسر عَلَيْهِ الْوَاحِد المُشاكِلُ لَهُ فِي الْبناء؛ أَلا ترى أَن أَفْعُلًا نَحْو أَوْطُب، لما كُسِّر قيل أَوَاطب، كَمَا قيل فِي جمع أَبْلُمٍ، وَهِي لُغَة فِي أبْلَمٍ أبالم، لِأَن أوْطُبا بزنة أَبْلُمٍ، وَإِذا اتّفقت العِدَّتان فِي الْجمع وَالْوَاحد، وَإِن اخْتلفت الحركات، أَو اخْتلف بَعْضهَا - فَحكمهَا فِي الْجمع سَوَاء، وَذَلِكَ نَحْو: أسْقِيةٍ وأساقٍ، وأسوِرَةٍ وأساوِر، شبهه سِيبَوَيْهٍ بأَنْمُلَة وأنامِل، حِين لم يجد فِي الْوَاحِد أَفْعِلة، لم يجد شَيْئا أقرب إِلَيْهِ من أَفْعُلَة، فَإِذا كَانَ ذَلِك فِيمَا يخْتَلف بعض حركاته، كَانَ فِيمَا يتَّفق نَحْو أَوْطُبٍ وأبْلُمٍ أَجْدَر أَن يتَّفق فِي الْجمع؛ فَكَذَلِك رهان أَعنِي
جمع رَهْن، لما تصوَّر على شكل كتاب وَمِثَال وَنَحْوهمَا، وَكَانَ هَذَا الضَّرْب من الأشكال يكسَّر على فُعُل، نَحْو كُتُب ومُثُل، كسِّر على مثل مَا كسر عَلَيْهِ ذَلِك الْوَاحِد، فَقيل رُهُن؛ فَإِذا كَانَ مثل هَذَا كَذَا، جَعَلْنَاهُ جمعا وَإِن كَانَ نَادرا، وَلم نحمله على انه جمع جمع، لِأَن جمع الْجمع قَلِيل فِي الْكَلَام الْبَتَّةَ، إِذْ لَيْسَ بِأَصْل؛ أَلا ترى أَنه إِن وسعنا جمع الْجمع قِيَاسا، وسعنا جمع جمع الْجمع؟ وَإِنَّمَا يحمل سِيبَوَيْهٍ صِيغَة الْجمع، على جمع الْجمع، إِذا لم يجد عَن ذَلِك موئلا محرزا، وَلَا معقلا محتجزا.
وَمن طريف مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ الْكتاب: الْفرق بَين التَّخْفِيف البدلي، وَالتَّخْفِيف القياسي، وهما نوعا تَخْفيف الْهَمْز، كَقَوْلي: إِن قَول الْعَرَب أخطيت لَيْسَ بتَخْفِيف قياسي، وَإِنَّمَا هُوَ تَخْفيف بدلي مَحْض، لِأَن همزَة أَخْطَأت همزَة سَاكِنة قبلهَا فَتْحة، وَصُورَة تَخْفيف الْهمزَة الَّتِي هذي نصبتها: أَن تخلص ألفا مَحْضَة، فَيُقَال: أخْطات، كَقَوْلِهِم فِي تَخْفيف كأس: كاس، لِأَن"طأت"من أَخْطَأت، بِمَنْزِلَة كأس، كَمَا أَن"طَلِقْ"من انْطَلِق، على وزن فَخِذ، فَلذَلِك قيل: انْطَلْقْ، فِي انْطَلِقْ، كَمَا قيل: فَخْذ؛ وَإِذا انْقَطع من المركَّب شَيْء على شكل الْبَسِيط، فَهَذَا حكمه، اعني أَن يُعَامل مُعَامَلَته، وعَلى نَحْو هَذَا وجَّهَ الْفَارِسِي قَول امْرِئ الْقَيْس:
فاليَوْمَ أشْرَبْ غَيرَ مُسْتَحْقِبٍ ... إْثما مِنَ اللهِ وَلَا وَاغِلِ
قَالَ: إِنَّمَا أَرَادَ: أشْرب غير، متصوّرا فِي أثْنَاء ذَلِك من الْكَلِمَتَيْنِ"رَبُغَىْ"على شكل عَضُدٍ، فَخفف الثَّانِي من هَذَا الشكل، وَهِي بَاء"رَبْغَىْ"، كتخفيف ثَانِي عَضُدٍ، فَقَالَ: رَبْغَىْ، كعَضْدٍ، وَمثله كثير. فَكَذَلِك مثلت مَا تصور من أَخْطَأت، على صُورَة كأس، بِلَفْظ كاس، فَلَمَّا لم أجد أخطيت مقتضية للتَّخْفِيف القياسي، قلت: إِنَّه بدليّ.