(ج1/ 8)
قلت فِي الذَّال: الذؤنون: نبت، وَفِي الطَّاء: الطرثوث: نبت، لِأَن الشَّيْء إِذا كَانَ فُعْلولا، فَجَمعه لَا محَالة فَعاليل، وَإِذا كَانَ الْجمع فعاليل، لم يلْزم أَن يكون الْوَاحِد فُعْلولا وَحده، بل قد يكون فِعْلالا، وفِعْليلا، وفِعْلالة، وفِعْيِلة. وَكَذَلِكَ اكتفيت من قَوْله: خرج النَّاس يتذأنْنِون ويتطِرْثِثون: إِذا خَرجُوا يطْلبُونَ ذَلِك، بِأَن قلت: تذأْنِنُوا وتطِرْثِثُوا: طلبُوا ذَلِك. واقبح مَا فِي هَذِه الْعبارَة تَقْدِيمه الْجَمِيع على الْوَاحِد، وَهَذَا فِي كِتَابه وَكتب غَيره من أهل اللُّغَة كثير شَائِع، مستطير ذائع. وَهل أغرب من تَقْدِيم المركَّبات على البسائط؟ وناظرٌ إِلَى تقديمُهم أبنية اكثر الْعدَد، على أبنية أَقَله، إِذا كَانَ الْوَاحِد يَعتْقِب عَلَيْهِ بِنَاء أقلّ الْعدَد، وَهُوَ مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة، وَهُوَ الَّذِي يَدعُوهُ القدماء الْآحَاد، وَبِنَاء اكثر الْعدَد، وَهُوَ مَا زَاد على ذَلِك، حَتَّى إِذا كَانَ للْوَاحِد بِنَاء وَاحِد من أدنى الْعدَد، أَو بِنَاء وَاحِد من أَكْثَره، لم ينبهوا على انه لَا بِنَاء جمع لَهُ إِلَّا ذَلِك؛ وَللَّه در حذَّاق النَّحْوِيين، سِيبَوَيْهٍ فَمن دونه، فِي التَّحَرُّز من ذَلِك، وَأَيْنَ أجسم فَائِدَة فِي هَذِه الجموع من قَول سِيبَوَيْهٍ فِي الشَّيْء الَّذِي ينْفَرد بِبِنَاء وَاحِد من الْجمع، انه لَا يكسَّر على غير ذَلِك، كالأفئدة، والأكُفّ، والأقدام، والأرجل، وَغير ذَلِك، مِمَّا لَا أَسْتَطِيع وقفك على جَمِيعه، إِلَّا بِقِرَاءَة كتاب سِيبَوَيْهٍ، الَّذِي هُوَ نور الْآدَاب، ومادة أَنْوَاع الْإِعْرَاب.
فَإِن رَأَيْت قَضِيَّة من كتابي قد ساوت قَضِيَّة من كتب أهل اللُّغَة فِي اللَّفْظ، أَو قاربتها، فاقرن الْقَضِيَّة بالقضية، يلُح لَك مَا بَينهمَا من المزيَّة، إِمَّا بفائدة يجلُّ موضعهَا، وَإِمَّا بِصُورَة عبارَة يَلَذُّ موقعها، كَقَوْل أبي عبيد: تَمَأَّى الجلدُ تَمَئِّيا، مِثَال: تَمَعَّى تَمَعِّيا، تفَعَّل تفعُّلا: إِذا اتَّسع. وَصلى الله على نَبينَا مُحَمَّد الْقَائِل:"إِن من الْبَيَان لسحرا". وَأَيْنَ هَذَا من قولي بدل
هَذِه الْعبارَة: مأَوْتُ الجِلْدَ ومَأَيْتُه ومَأَّيْتُه، فتَمَأَّى، وَلَو لم يَك فِي ذَلِك إِلَّا ذكرى الْبَسِيط الَّذِي هُوَ مَأَوْتُ ومَأَيْتُ، وحملي عَلَيْهِ الانفعال المتركب بِالزِّيَادَةِ، الَّذِي هُوَ تمأَّى، وَإِنَّمَا اعني بالانفعال هُنَا: التفَعُّل، وآثرته، لِأَنَّهَا عبارَة المنطقيين. وَكَقَوْلِه التَّناوُش: التناوُل، والنَّوش مِنْهُ، نُشْت أنوش. وَقلت أَنا مَكَان ذَلِك: نُشْتُ الشَّيْء نَوْشا تناولته، والتَّناوُش من النَّوْش: كالتناوُل من النَّوْل، أَولا ترى إِلَى اخْتِصَار هَذِه الْعبارَة وإجادتها، وحملي مُرَكَّبَها على بسيطها؟ إِلَى غير ذَلِك، مِمَّا لَو تقصّيته لطالت بِهِ خطْبَة كتابي، واكثر المتدرسون عَلَيْهِ عتابي، وَلَكِنِّي اقْتصر من ذَلِك على التَّمْثِيل، مغنيا بِهِ عَن التَّفْصِيل.
وَأما مَا فِي كتاب"الْإِصْلَاح"و"الْأَلْفَاظ"، وَكتب ابْن الأعرابيّ، وَأبي زيد، وَأبي عُبَيْدَة، والأصمعي وَغَيرهم، من أَمْثَال هَذَا الَّذِي وصفت، فاكثر من أَن يُحْصى مدده، أَو يحصر عدده، وَهل يقوم بانتقاد هَذَا النَّوْع إِلَّا مثلي، من ذَوي الْحِفْظ الْجَلِيل، والاضطلاع بِعلم النَّحْو وصناعة التَّحْلِيل، وَإِن كنت بَين حثالة جهلت فضلي، وأساء الدَّهْر فِي جمعهم بمثلي، وَهل ينفع اليائس من الْحَيَاة بكاه، احْمَد الله على كل حَال وَلَا أتشكَّاه.
وَمن غَرِيب مَا تضمنه هَذَا الْكتاب، تَمْيِيز أَسمَاء الجموع من الجموع، والتنبيه على الْجمع الْمركب، وَهُوَ