فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 132

وليعلموا أن أعداءهم قد بيتوا النيات على الخلاص منهم، وأن التهام فلسطين تمهيد لما وراءه، وأن المؤسسات الدولية أعجز من أن تنصفنا لو أرادت، فكيف وهى لا تلقى لنا بالا؟ لقد آن الأوان لنصحح انتماءنا ومسيرتنا .. ! على أن هذا التصحيح لا يجوز أن يكون إثارة عاطفية عشواء، بل ينبغى أن ندرس بأناة الأسباب التى جعلتنا في العالم الثالث أو الرابع بعد أن كنا وحدنا العالم الأول دهرا طويلا .. إنها أسباب كثيرة، ثقافية واجتماعية وسياسية! وسأتناول هنا الجانب الثقافى لأن البعض يغفل عن خطورته. ورأيى أن الثقافة التى الت إلينا في القرون الأخيرة كانت ضحلة آسنة لا في مجال المعرفة الدينية وحدها، بل في مجال الأداء الأدبى كذلك، وأن هذه الثقافة كانت أعجز من أن تصنع أمة تنهض برسالتها، وتخدم كتاب ربها وسنة نبيها. كانت ثقافتنا في العصور الأولى تصنع أجيالا عارمة، قادرة على المحو والإثبات، تحترم الحقائق وتعشق الفضائل، تضع خريطة الدنيا أمام عينيها، وتنظر إليها كما ينظر لاعب الشطرنج في رقعته ينقل أحجارها كيف يشاء! لقد كان أبو الطيب يعرف المجد فيقول:

ولا تحسبن المجد زقا وقينة ... فما المجد إلا السيف والفتكة البكر

وكان أبو تمام يصف أغراض الشعر في عصره فيقول:

ولولا خلال سنها الشعر ما درى ... بغاة العلا، من أين تؤتى المكارم

ثم أخذ الأدب شعرًا ونثرا يهبط حتى أمسى وصفًا لشمعة أو نصحا غثا لتلميذ كسول.

وكذلك هبط العلم الدينى وتقوقع رجاله في تخصصاتهم الدينية لا يمدون أنوفهم وراءها. فعالم التجويد يعيش في عالم من الغنن والمدود، والفقيه في العبادات يحيا في ميدان من الأغسال والطهارات ... وهكذا .. وقد كتب، الكسيس كاريل"في كتابه"الإنسان ذلك المجهول"يعيب الغارقين في تخصصاتهم الطبية، ويؤكد أن العلم بالإنسان لا يتم عن هذا الطريق. ونقول نحن؟ إن العلم بالدين كله لا يتم عن طريوا تجارة التجزئة، وأن الصورة الكاملة للإسلام إنما تتم على النحو السلفى الأول، وأن العقل الإسلامى المعاصر"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت