ما يكترث به، كانوا ربانيين ينشدون الآخرة، وكانوا علماء يعرفون كيف ينصرون دينهم في كل ميدان .. والخلفاء الراشدون والأصحاب العظام من حولهم هم الذين جعلوا عالمية الإسلام حقيقة واقعة بعد ما كانت مقررًا نظريا أو بشريات تتلى في الكتاب الكريم ... ولولا دسائس اليهود والمجوس التى نجحت في قتل عمر وعثمان وعلى لكان للأرض مستقبل آخر، ولانتهى أجل الضلال في الدنيا، ولكن لله قدرًا آخر: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) . وقد بذل الأمويون والعباسيون والعثمانيون جهودا كبيرة ليقولوا للناس: إنهم يقومون بعبء الخلافة الراشدة، وإنه إذا تغيرت الوجوه فلن تتغير الأعمال .. أكانوا بينهم وبين أنفسهم صادقين؟ ما أشك في أن فيهم هن أخلص دئه سريرته وأسلم له وجهه وجاهد في سبيله ما استطاع! ولست ديانًا للخلق أبحت في مصايرهم عند ربهم، وإنما أكتب ما أكتب التماس عبرة. وكيما أجنب الصحوة الإسلامية عثرات قديمة، وهل ندرس التاريخ إلا من أجل ذلك؟ إن موجة الفتح التى أسهم فيها التابعون، مضت لمستقرها في العهد الأموى ثم توقفت لأمر ما، أما الاهتمام بمستقبل الدعوة في أرجاء العالم، واكتشاف الأساليب المناسبة لإنجاحها، فقد أخذ يتضاءل من الناحية الرسمية أو يأخذ طرقا مسدودة .. ! ما السبب؟ أشخاص الخلفاء أنفسهم، والطريقة التى جاءوا بها إلى منصب الخلافة! وسرعان ما تحول معظم نشاط أولئك الخلفاء إلى المحافظة على الحكم في ذراريهم، وإلى مكافحة الفتوق التى يحدثها الناقمون والمعارضون. ثم جاء العباسيون فقلدوا من سبقهم، ولم لا؟ والمتأمل في القيمة الذاتية للأشخاص الذين ولوا أعظم مناصب الدنيا يشعر بالحسرة ... إن بعض خلفاء بنى العباس لو بيعوا رقيقا ما جاء أحدهم بثمن طائل ولكن عنجهية العرب فرضتهم على الإسلام ليقودوه بضعة قرون، فماذا حدث؟ قبعوا في قصورهم، واغتصب السلطة منهم أمراء ووزراء من أجناس أخرى، ولقى أغلبهم مصيره على شروجه.