فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 132

وتلفت غرب الدولة الإسلامية الكبيرة وشمالها، فوقفتنى الحرب المزمنة بين الروم والمسلمين أو بين الفرنجة والعرب ... لقد خرج الرومان من الشام بعد هزائمهم الساحقة أمام أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، تاركين وراءهم ذكريات سودا بين النصارى الذين يخالفونهم في الفكر اللاهوتى ... وليس للوجود الرومانى بالشام سناد من عقل أو نقل فما صلة دمشق والقدس ببيزنطة أو روما؟ ومن الذى منح القوم حق استيطان هذه البلاد ومزاحمة أهلها عليها؟ الواقع أنها صفاقة أوربية قديمة جديدة، لقد خرج الفرنسيون الصليبيون من الجزائر بعد مذابح طافحة بالوحشية، وهم بعد ما خرجوا منها لا يزالون يحنون إلى العودة إليها، وكذلك كان الروم بعد ترك الشام فإن رغبتهم في العودة من حيث طردوا ظلت تراودهم، وتجعل القتال موصولا على حدود الدولتين الإسلامية والنصرانية، وكان للمسلمين رباط دائم على تلك الحدود، كما كانت الحرب بين كر وفر في جزر البحر الأبيض كلها ... هل كان هناك بديل عن هذه المأساة الدائمة؟ رأيى: نعم! كان يمكن إقامة علاقات تجارية، ثم علاقات ثقافية، كما كان يمكن استقبال زوار القدس بترحاب له ما بعده، لا سيما أننا ما وضعنا عائقا أمام النصارى الذين يقيمون مراسم دينهم! والحق أن أمتنا ما تنكص عن هذه الخطوة! لكن رجال الدين والسياسة في أوربا كانت تحركهم ضغائن لا تبرد نارها، فهل كان الموقف الأوربى من وراء عطل أجهزة الدعوة عندنا؟ وعدم انسيابها بين الكارهين للإسلام، الشاتمين لمحمد ودينه بسفاهة منكرة؟ الأمر يحتاج إلى تفصيل. كانت الحكومة في دولة الخلافة مسئولة عن الدعوة الإسلامية، وكان رجالها يرون أنفسهم قوامين لله، يحاربون المعصية، ويزرعون الطاعات، ويضربون المثل بذواتهم في العبادة الخالصة، كأن فيهم قوله تبارك اسمه: (يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين) . والفارق كبير بين حكم يرى نفسه مسئولا عن الدين وحمايته ونشر تعاليمه وبين حكم يتوسل بالدين لمد سلطانه ودعم أركانه. إن الوسيلة قد تترك بعد بلوغ الهدف، أو قد يستبدل بها غيرها إن سد مسدها، أما دولة الخلافة فقد كان الإسلام منهجها وهدفها، وكان الخلفاء يرون أشخاصهم آخر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت