فترى مفسرا يحسن إعراب الجمل، وتقرير بعض الأحكام مع غفلة شديدة عما صح من سنن في القضايا التى يعالجها .. وقد ترى مطلعا على جملة من علوم الدين، بيد أن إدراكه للبيئة من حوله قاصر، وإدراكه للكون والحياة أشد قصورا، ومن ثم يصدر أحكاما وفتاوى تصيب الدين في مقاتله. وأعرف أن الحكم الفردى جمد عدة فرائض سياسية، ومالية، وسير الفقه بعيدا عما يمس استقراره، كما أعرف أن بعض البيئات غلبت تقاليدها على تعاليم الدين، كما حدث في بعض الشئون النسائية .. لكن الإسلام ظل وسوف يظل مضبوط المصادر نقى المنابع، وأن أصحاب الفطر السليمة، والآراء النزيهة قادرون على العودة إليه، والاستمداد منه دون عائق. وأنفى بقوة كل ظن أنى أنتقص رجالنا، فإننى شديد الإعجاب والولاء لأئمة الفقه، والتفسير، والحديث، وقد تابعت وتدبرت الكثير مما كتب في علوم الكلام والتصوف والأخلاق، ونفعنى الله بما شاء من تراث السلف والخلف، غير أننى وجدت الحقائق هنا وهناك، فلم ألزم مدرسة واحدة، ولم أر لأحد عصمة. وأؤكد ما قلته: إن القراءات غير المتوازنة تخلق فكرا مشوشا، وان الإيغال في دراسة ما دون قاعدة مشتركة من علوم أخرى لا يعطى ثقافة سليمة. وقد بلوت شيوخا يتكلمون في الإسلام وقلوبهم وجلة من التعرض لساسة الحكم والمال، بل قرروا- من غير أيمان مغلظة- ألا يمسوا هذه الناحية. وآخرين لا يعرفون ذرة من ضغط التقاليد البشرية على التعاليم السماوية، فهم ينطلقون دعاة إلى الإسلام، والحقيقة المرة أنهم يدعون إلى معالم مجتمعهم البالى، ومواريثهم الهشة، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا .. كما بلوت شبابا غرورهم أكبر من تفكيرهم، يستمعون إلى أولئك الشيوخ دون مراجعة. وشعرت بانكشاف العجز العلمى عند هؤلاء جميعا عندما زار الأستاذ"جارودى"القاهرة ودول الخليج، وقابل نفرا من علماء الدين التقليديين .. إن الرجل اعتنق المقصرد التصوف المجاهد العامل النقى من البدع والشوائب، أى الذى لا يزيد عن كونه مجاهدة للنفس وجهادا في سبيل الله. ص _044