فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 132

ويظهر أن الحكمة من خصائص النبوات التى تسوس الناس، وتنفى ملكاتهم النفسية، وتنظم صفوفهم في طاعة الله بشتى التوجيهات، وذلك ما تشير إليه سورة النساء عند تقريع اليهود: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما) . أى آن الحكمة وإن عنت الآداب والسير الرفيعة فهى تعنى كذلك الشرائع التى تشد أوصال المجتمع وتحرس كيانه. وقد ذكر الله سبحانه في سورة آل عمران أنه أنعم بالحكمة على عيسى بن مريم: (ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل) . إن هذه الحكمة رحبة الدلالة، ولكنها تضم أول ما تضم التوجيهات والتقاليد التى تتماسك بها الجماعة، كما يتماسك الجسم بجهاز عصبى ذكى سريع .. وأحسب أن الحكمة هى المعنى الباطن لكلمة الميزان، وأن الميزان هو الجانب العملى لكلمة الحكمة، وقد وردت كلمة الميزان في مواضع من الكتاب العزيز، منها (الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب) . وقوله (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) . والمعنى الذى لا محيص عنه أن المجتمع لابد أن يتوازن بالعدل، وأن يترابط بالحكمة، وأنه لا مكان في بناء المجتمعات للعبث والفوضى والجور، وإشباع الجياع إلى العلو والظهور، وإرضاء الراغبين في الاكتناز والتكاثر ... ولا مكان في مجتمع مؤمن لسيادة الجهل، وإقرار الفساد، والحيف على الضعاف إذ لا يسمح بهذا"ميزان"ولا تسمح به"حكمة". ص _074

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت