هذه الغزوة عقد معاهدة حلف مع عمرو بن مخشي الدمري و كان سيد بني دمره في زمانه و هاك نص المعاهدة قال هذا كتاب من محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لبني ضمرة فإنهم آمنون علي أموالهم و أنفسهم و أن لهم النصر علي من رامهم إلا أن يحاربوا دين الله ما بل بحر صوفة يعني ما بقي البحر إيه موجودا و أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دعاهم لنصره أجابوا و هذه أول غزوة غزاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و كانت غيبته خمسة عشر ليلة و كان اللواء ابيض و حامله حمزة بن عبد المطلب.
أولا نلاحظ من هذه الغزوات أمرا أولا إنها كانت لا يكاد يمر شهر أو شهران إلا و هناك غزوة أو سرية ولو طالعنا ما بعد ذلك لوجدنا الأمر كذلك أو قريبا منه طيلة العشر سنين التي بقاها النبي - صلى الله عليه وسلم - في المدينة و كان هذا في الحقيقة تربية عظيمة لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي الجهاد و علي البذل و التضحية و علي أن يتحملوا مفارقة الأهل و مفارقة البلاد و الديار التي يستريح فيها الإنسان و يسكن فيها و يجد فيها طعامه و شرابه المعتاد و منامه العتاد ولا شك أن هذه أمور يصعب علي الإنسان أن يتخلى عنها إلا أن يتعود علي ذلك و كان هذا الذي فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - بإرسال هذه السرايا حتى ولو لم تلقي كيدا فيه أذكاء روح المعارضة و المقاومة و المدافعة لدي الصحابة رضي الله عنهم من إرسال هذه السرايا حتى ولو لم تلقي كيدا فيه أذكاء روح المعارضة و المقاومة و المدافعة لدي الصحابة رضي الله عنهم و تهيئة نفوسهم لإباء سلطان الباطل و رفضه و كان هذا أمرا ضروريا لاستمرارهم في القتال و في مقاومة الشر في الأرض كلها بعد ذلك و لذلك كانت هذه الغزوات و السرايا تربية إيمانية عظيمة من جهات متعددة حتى لا يركن الناس إلي الدنيا و حتى لا يخرجوا إلي الأرض بل و يتشوقون إلي الموطن الذي يقع فيه القتال فهم ينتظرونه و يتمنون حصوله لأن كل مرة تهيئهم لذلك و إذا كان يعني من جرب من المسلمين بعض مفارقة الأهل و الوطن في طاعة الله عز وجل في سفر حج أو عمرة مثلا أو في سفر طلب علم أو دعوة أو حتى مجرد رحلة يجتمع الناس فيها علي الطاعة فإنه يجد اثر عظيما في نفسه لذلك أثرا تربويا مهما و هائلا لا يمكن إغفاله و هذا ربما يتكرر في السنة مرة و علي الأكثر مرتين وهو قليل جدا فسرعان ما يصل الإنسان إلي مسكن مهيئ و راحة و طعام و شراب فالناس ربما لا يقطعون في سفر الحج و العمرة أكثر من يومين أو ثلاثة يفارقون فيه العوائد من المطعم و المشرب و البنان و سائر وجوه الراحة و غالبا ما يكون في أمن نادرا ما يكون في نوع تعرض لخطر يعني من عدو نادرا جدا الأصل الأمن التام و مجرد توقيفات بلا خلل ولا خطر و مع ذلك نجد كثير ممن يستحضر المعاني الإيمانية في ذلك أثرا إيمانيا كبيرا في مثل هذا العمل فما الظن بغزوات و سرايا و ما الظن بحال من يخرج مجاهدا في سبيل الله عز و جل حامل سلاحه متعرضا للمخاطر أن ذلك من أعظم أسباب تحقيق التآلف و التحاب في الله عز وجل يكونون أحيانا مشاة علي أرجلهم يكمنون بالنهار و يسيرون بالليل و أحيانا يتناوبون بعيرا بين كل خمسة و ستة و ربما سبعة يعني يمشي ستة أسباع المسافة و ربما أحيانا أكثر من ذلك و يركب سبعها فقط و ربما نجد زادهم فيها مجرد تمرات كل ذلك بالتأكيد جعل قلوبهم مؤتلفة تآلفا غير معهود ولا يعرف مثله في التاريخ و حب في الله سبحانه و تعالي أدي بقوة عظيمة إلي تماسك هذا المجتمع ولا شك أن هذه الطائفة المؤمنة المتماسكة هي التي يشق حدها حد أي مجتمع آخر و يغلب جمعها جمع أي مجتمع آخر متفكك الأوصال متفرق الكلمة و هذه حقيقة كل مجتمع دنيوي يقوم علي تحالف دنيوي بدرجة من الدرجات كانت هذه التربية الإيمانية في هذه الغزوات المتتابعة كل شهر تقريبا كل شهر أو شهرين أما أن يخرج الرسول بنفسه أو يرسل من يكون أيضا صالحا لقيادة الأمة إذ تعود علي قيادة هذه الطائفة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و بالفعل تكون لدي النبي - صلى الله عليه وسلم - مجموعات من القادة كل منهم يصلح أن يكون قائدا فذا في المعارك و في قيادة غيره قادوا بعد ذلك الأمم و الشعوب أن تكوين المجتمع المسلم لم يكن بالشئ الهين و إنها كانت تربية إيمانية مستمرة ولا شك أن الأمر إنما كان النجاح فيه من خلال أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ربي طوائف من أصحابه رضي الله عنهم جعلهم الله عز وجل قادة للعالم ما كان من الممكن بعد فتح البلاد المختلفة في عصر ما بعد النبوة أن تظل هذه البلاد علي الإسلام أن يضرب بجذوره فيها دون أن يكون هناك أئمة يهدون إلي الخير يدعون إلي الله يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر يدخل الناس في الإسلام طواعية لمصاحبتهم لمجرد رؤية سلوكهم و هيئتهم و عبادتهم و إيمانهم العملي و الأخلاقي و السلوكي يدخل الناس في الإسلام و يثبتون عليه لذلك فعلا رأينا س في غزوات المسلمين ما لم نره قط في التاريخ قد حدثت غزوات لأمم كثيرة أمم كثيرة انطلقت و غيرت الواقع السياسي و العسكري حولها و لكن لم نري مثل ما رأينا بأهل الإسلام أنهم لم يغيروا الواقع العسكري فقط بل تغيرت الشعوب نفسها الشعوب نفسها تغيرت إلي الإسلام و دخلت فيه طائعة ثبتت عليه رغم كل ما نالها بعد ذلك من اضطهاد بقي فيها القرون المتتالية و أعجب من