اليهود الذين كانوا قد دخلوا في صفوف المسلمين لإثارة البلبلة انكشفوا عن المسلمين و رجعوا إلي ما كانوا عليه و هكذا تطهرت صفوف المسلمين عن كثير من أهل الغدر و الخيانة حقيقة الأمر أن عدد المنافقين من اليهود كان قلة أكثر المنافقين كانوا من المشركين الذين أسلموا اليهود كانوا دائما يبثون سمومهم من خلال هؤلاء المنافقين الحقيقة أنهم كانوا يبثون سمومهم مع بقائهم علي ملتهم و قلة قليلة جدا هي التي أظهرت الإسلام و ظلت علي عقيدتها اليهودية و لكن ظهر النفاق في قبول كلام النافقين و ليس في ردة أناس ممن كان من اليهود فتهود مرة ثانية إنما قال الله {سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} وولاهم عن قبلتهم الخطاب بصيغة الغائب يدل علي إنهم ليسوا من أهل الإسلام اليهود كانوا يثيرون هذه الزوابع و ينشرون هذه السموم مع بقائهم علي يهود يتهم و لكن إنما يجدون آذان صاغية و أفواه متكلمة السنة بالباطل من خلال المنافقين و في تحويل القبلة إشارة لطيفة إلي بداية دور جديد لا ينتهي إلا بعد احتلال المسلمين هذه القبلة أوليس من العجب أن تكون قبلة قوم بيد أعدائهم و إن كانت بأيديهم فلابد من تخليصها يوم ما و بعد هذه الأوامر و الإشارات زاد نشاط المسلمين و اشتدت نزعاتهم إلي الجهاد في سبيل الله و لقاء العدو في معركة فاصلة
قال: غزوة بدر الكبرى: أول معركة من معارك الإسلام الفاصلة
سبب الغزوة: قد أسلفنا في ذكر غزوة العشيرة أن عير لقريش أفلتت من النبي - صلى الله عليه وسلم - غزوة ذي العشيرة التي كانت في جمادى الأولي أو جمادى الآخرة سنة أثنين من الهجرة قد أفلتت من النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذهابها من مكة إلي الشام ولما قرب رجوعها من الشام إلي مكة بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طلحة بن عبيد الله و سعيد بن زيد إلي الشمال ليقوم باكتشاف خبرها فوصل إلي الحوراء و مكث حتى مر بهما أبو سفيان بالعير فأسرعا إلي المدينة و اخبرا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخبر كانت العير مركبة من ثروات طائلة من أهل مكة ألف بعير موقرة محملة يعني بالأموال لا تقل عن خمسين ألف دينار ذهبيا و لم يكن معها من الحرس إلا نحوا أربعين رجلا إنها فرصة ذهبية لعسكر المدينة و ضربة عسكرية و سياسية و اقتصادية قاسمة ضد المشركين لو إنهم فقدوا هذه الثروة الطائلة لذلك أعلن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسلمين قائلا هذه عير قريش فيها أموالهم فأخرجوا اليها لعل الله يمكنكوموها يعطيكم إياها ولم يعزم - صلى الله عليه وسلم - علي أحد بالخروج يعني لم يأمرهم أمر إيجاب ملزم و عزيمة مؤكدة بل ترك الأمر للرغبة المطلقة بما انه لم يكن يتوقع عند هذا الامتداد انه سيصطدم بجيش مكة بدل العير لما ندبهم للخروج لما رغبهم في الخروج إنما كان يخرج لينال قافلة أربعين رجلا فثلاث مئة بالنسبة إلي أربعين قدر كافي جدا ثلاث مئة مسلح بالنسبة إلي أربعين رجلا فهي أمر سهل ميسر يقول لم يكن يتوقع - صلى الله عليه وسلم - عند هذا الامتداد انه سيصطدم بجيش مكة بدل العير الاصطدام العنيف في بدر و لذلك تخلف كثير من الصحابة في المدينة و هم يحسبون ان مضي رسول الله صلي الله عليه و سلم في هذا الوجه لن يعدوا ما ألفوه في السرايا الماضية و لذلك لم ينكر علي احد تخلفه في هذه الغزوة كما قال ذلك كعب بن مالك رضي الله عنه و ذلك انه خرج لطلب العير أصلا و لم يخرج لمواجهة النفير اللي هو الجيش يقول مبلغ قوة الجيش الإسلامي و توزيع القيادات استعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للخروج و معه ثلاث مائة و بضعة عشر رجلا ثلاث مائة و ثلاثة عشر أو أربعة عشر أو و سبعة عشر رجلا علي أقوال اثنان و ثمانون أو ثلاث و ثمانون أو ستة و ثمانون من المهاجرين وواحد و ستون من الأوس و مائة و سبعون من الخزرج و لم يحتفلوا لهذا الخروج أحتفالا بليغا و لا اتخذوا أهبتهم كاملة فلم يكن معهم إلا فرسان فرس للزبير بن العوام و فرس للمقداد بن الأسود الكندي و كان معهم سبعون بعيرا ليعتقب الرجلان و الثلاثة علي بعير واحد بمعني ان أكثر الجيش كان يمشي ثلثي المسافة و يركب ثلثها و في الحقيقة ربما تكون أكثر من ذلك و ثلاث مائة علي سبعين يبقي فيها نحو كل أربعة علي بعير قال و كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و علي و مرثد بن أبي مرثد الغنوى يعتقبون بعيرا و واحدا يعني يأخذون دورا علي بعير واحد هذا يمشي مرة و هذا يمشي مرة كل يركب مرة و يمشي مرتين و استخلف علي المدينة و علي الصلاة بن أم مكتوم فلما كان بالروحاء رد أبي ذبابة بن عبد المنذر و استعمله علي المدينة جعله هو الامير علي المدينة و دفع لواء القيادة العامة إلي مصعب بن عمير القرشي العبدري و كان هذا اللواء أبيض ذكرنا من قبل قضية اللواء و الغرض منه أن يعرف الناس تحركات قائد الجيش و كيف يتجهون و بقائه مرتفعا علامة علي استمرار وجود القيادة قال و قسم جيشه إلي كتيبتين كتيبة المهاجرين و أعطي علمها علي بن أبي طالب و كتيبة الأنصار و أعطي علمها سعد بن معاذ و جعل علي قيادة الميمنة الزبير بن العوام و علي الميسرة المقداد بن عمرو و كانا هما الفارسين الوحيدين في الجيش كما أسلفنا و جعل علي الساقة اللي هما مؤخرة الجيش قيس بن أبي صعصعة و ظلت القيادة العامة في يده - صلى الله عليه وسلم - كقائد أعلي للجيش.