الصفحة 26 من 194

لا ننكر أن أهل الجاهلية كان فيهم دنايا و رذائل و امور ينكرها العقل السليم و يأباها الوجدان و لكن كانت فيهم من الأخلاق الفاضلة المحمودة ما يروع الانسان و يفضي به الي الدهشة و التعجب ومن تلك الأخلاق:

الكرم: كانوا يتبارون في ذلك و يفتخرون به بين ممتدح به و مثني علي غيره كان الرجل الضيف في شدة البرد و الجوع و ليس عنده من المال إلا ناقته التي هي حياته و حياة أسرته فتأخذه هزة الكرم فيقوم إليها و يذبحها لضيفه و من آثار كرمهم أنهم كانوا يتحملون الديات الهائلة و الحملات المدهشة يكفون بذلك سفك الدماء و ضياع الانسان و يمتدحون بها مفتخرين علي غيرهم من الرؤساء و السادات و كان من نتائج كرمهم أنهم كانوا يمتدحون بشرب الخمور لا لأنها مفخرة في ذاتها بل لأنها سبيل من سبل الكرم و مما يسهل السرف علي النفس يعني ساعة و هو خمران سكران يقولوا له هات يروح عامل إيه عاطي كل اللي معاه ومن اجل ذلك كانوا يسمون شجرة العنب بالكرم و خمره ببنت الكرم و إذا نظرت الي دواوين أشعار الجاهلية تجد ذلك باب من أبواب المديح و الفخر يقول عنترة بن شداد العبسي في معلقته:

و لقد من المدامة بعد ما ... ركد الهوا جر بالمشوف معلم

بزجاجة صفراء ذات أسرة ... قرنت بأزهر الشمال مفدم

فإذا شربت فأنني مستهلك ... مالي و عرضي وافر لم يك

و إذا صحوت فما اقصر عن ندي ... و كما علمت شمائلي و تكرمي

و من نتائج كرمهم اشتغالهم بالميسر فإنهم كانوا يرون انه سبيل من سبل الكرم لأنهم كانوا يطعمون المساكين ما ربحوه او ما كان يفضل عن سهام الرابحين؛ و لذلك تري القران لا ينكر نفع الخمر و الميسر و إنما يقول {وإثمهما اكبر من نفعهما} و من تلك الأخلاق

الوفاء بالعهد:

فقد كان العهد عندهم دينا يتمسكون به و يستهينون في سبيله قتل أولادهم و تخريب ديارهم و تكفي لمعرفة ذلك قصة هانئ بن مسعود الشيباني و السمو آل عدي و حاجب بن زرارة التميمي و منها

عزة النفس و الإباء عن قبول الخسف و الضيم:

و كان من نتائج ذلك فرط الشجاعة و شدة الغيرة و سرعة الانفعال فكانوا لا يسمعون كلمة يشمون منها رائحة الذل و الهوان إلا قاموا الي السيف و السنان و أثاروا الحروب العوان و كانوا لا يبالون بتضحية أنفسهم في هذا السبيل و منها

المضي في العزائم:

فإذا عزموا علي شئ يرون فيه المجد و الافتخار، لا يصرفهم عنه صارف بل كانوا يخاطرون بأنفسهم في سبيله.

و الحقيقة أن كل ما ذكر إنما يمدح إذا كان في طاعة الله وأما إذا كان تعززا مثلا في الإثم فليس هذا بخلق ممدوح زى المضي في العزيمة لأنه قرر قرار فلابد أن يمضي فيه لا يمدح هذا إلا إذا كان في مرضاة الله و لو اقسم علي يمين فرأي غيرها خير منها فليكفر عن يمينه و ليأتي الذي هو خير و منها

الحلم و الأناة و التؤدة:

كانوا يتمدحون بها إلا إنها كانت فيهم عزيزة الوجود لفرط شجاعتهم و سرعة إقدامهم علي القتال و منها السذاجة البدوية و عدم التلوث بلوثات الحضارة و مكائدها:

وكان من نتائجه الصدق و الأمانة والنفور عن الخداع والغدر هي طبعا الكذب كان منتشرا مدح الصدق كان الصدق عندهم ممدوحا لا يحب أن تؤثر عنه كذبة كما خشي أبي سفيان أن تؤثر عنه كذبة فلم يكذب علي أمر النبي صلي الله عليه و سلم مع هرقل نري أن هذه الأخلاق الثمينة مع ما كان لجزيرة العرب من الموقع الجغرافي بالنسبة الي العالم كان سببا في اختيارهم لحمل عبء الرسالة العامة و قيادة الأمة الإنسانية و المجتمع البشري لان هذه الأخلاق و أن كان بعضها يفضي الي الشر و يجلب الحوادث المؤلمة إلا إنها كانت في نفسها أخلاق ثمينة تدر المنافع العامة للمجتمع البشري بعد شئ من الإصلاح و هذا الذي فعله الاسلام و لعل اغلي ما عندهم من هذه الأخلاق و أعظمها نفعا بعد الوفاء بالعهد هو عزة النفس و المضي في العزائم إذ لا يمكن قمع الشر و الفساد و إقامة نظام العدل والخير إلا بهذه القوة القاهرة و بهذا العزم الصميم و أخلاق فاضلة أخري دون هذه التي ذكرناها ليس قصدنا الاستقصاء كما ذكرنا هذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت