فقاموا الي العاص بن وائل فانتزعوا منه حق الزبيدي بعد ما ابرموا الحلف و هذا دليل علي أن التحالف علي نصرة المظلوم و الاجتماع علي ذلك و التعاون علي إقامة الحق و العدل أمر مشروع في الاسلام أن تحالف حتي مع الكفار علي إقامة حق فان ذلك بحق الله عز و جل ما لم يكن في اقامتة تضييع حق أعظم منه شرع ذلك و أجيب إليه كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - و الذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون بها حرمات الله إلا أجبتهم إليها فكذا أهل الكفر و الشرك و أهل البدع و الظلم لو طلبوا إقامة حق أجيبوا الي ذلك و أن منعوا غيره ما لم يكن في إقامة هذا الحق معهم تضييع حق أخر او تلبيس علي الناس بان يظنوا أن كل أمرهم علي حق يقول ولم يكن له - صلى الله عليه وسلم - عمل معين في أول شبابه إلا أن الروايات توالت انه كان يرعى غنما رعاها في بني سعد هذا حديث صحيح انه رعي غنما يقول رعاها في بني سعد و في مكة لأهلها علي قراريط هذا الجزء رواه مسلم في مكة لأهلها علي قراريط في الصحيحين و في الخامسة و العشرين من سنه خرج تاجرا الي الشام في مال خديجة رضي الله عنها قال ابن إسحاق كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف و مال تستأجر الرجال في مالها و تضاربهم أياه في شئ تجعله لهم و كانت قريش قوما تجارا فلما بلغها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما بلغها من صدق حديثه و عظم أمانته و كرم أخلاقه بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مال لها الي الشام تاجرا و تعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار مع غلام لها يقال له ميسرة فقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و خرج في مالها ذلك و خرج معه غلامها ميسرة حتي قدم الشام و لما رجع الي مكة و رأت خديجة في مالها من الأمانة و البركة ما لم تري قبل هذا و اخبرها غلامها ميسرة بما رأي فيه - صلى الله عليه وسلم - من خلال عزبة و شمائل كريمة و فكر راجح و منطق صادق و نهج آمين وجدت ضالتها المنشودة و كان السادات و الرؤساء يحرصون علي زواجها فتأبي عليهم ذلك و تحدثت بما في نفسها الي صديقتها نفيسة بنت منية و هذه ذهبت إليه - صلى الله عليه وسلم - تفاتحه أن يتزوج خديجة فرضي بذلك و كلم أعمامه فذهبوا الي عم خديجة و خطبوها إليه و علي اثر ذلك تم الزواج وحضر العقد بني هاشم و رؤساء مضر و ذلك بعد رجوعه من الشام بشهرين و أصدقها عشرين بكرة مهر خديجة رضي الله عنها عشرين ناقة و كان سنها إذ ذاك أربعين سنة و كانت يوم آذن أفضل نساء قومها نسبا و ثروة و عقلا و هي أول امرأة تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و لم يتزوج عليها غيرها حتي ماتت و كل أولاده - صلى الله عليه وسلم - منها سوي إبراهيم من مارية القبطية أم ولده عليه الصلاة و السلام ولدت له خديجة أولا القاسم و به كان يكني أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم - ثم زينب و رقية و أم كلثوم و فاطمة و عبد الله و كان عبد الله يلقب بالطيب و الطاهر و مات بنوه كلهم في صغرهم بنوه يعني الذكور و أما البنات فكلهن أدركن الاسلام فاسلمن و هاجرن إلا أنهن أدركتهن الوفاة في حياته - صلى الله عليه وسلم - سوي فاطمة رضي الله عنها فقد تأخرت بعده ستة اشهر ثم لحقت به رضي الله عنها.
بناء الكعبة و قضية التحكيم: و لخمس و ثلاثين سنة من مولده - صلى الله عليه وسلم - قامت قريش ببناء الكعبة و ذلك لان الكعبة كانت ردما فوق القامة حجارة مرصوصة بعضها فوق بعض مرتفعة فوق قامة الرجل ارتفاعها تسعة ازرع من عهد إسماعيل ولم يكن لها سقف فسرق نفر من اللصوص كنزها الذي كان في جوفها و كانت مع ذلك قد تعرضت باعتبارها اثر قديما للعوادي التي أوهت بنيانها و صدعت جدرانها و قبل بعثته - صلى الله عليه وسلم - بخمس سنين جرف مكة سيل عرم انحدر الي البيت الحرام م فأوشكت الكعبة منه علي الانهيار فاضطرت قريش الي تجديد بنائها حرص علي مكانتها و اتفقوا علي إلا يدخلوا في بنائها إلا طيب فلم يدخلوا فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة احد من الناس سبحان الله رغم كثرة تعاملهم بهذه الأموال المحرمة إلا أنهم أبوا أن يجعلوا بفطرتهم و ما حفظ الله به بيته الحرام و ما كرمه الله عز و جل به أبوا أن يجعلوا فيهم هذا الحرام و هذا من فضائل بيت الله الحرام أن الله عز و جل حفظه عبر العصور حتي في الجاهلية من أن يبني بمال محرم قال و كانوا يهابون هدمها فابتدأ بها الوليد بن المغيرة المخزومي و تبعه الناس لما رأوا انه لم يصبه شئ و لم يزالوا في الهدم حتي وصلوا الي قواعد إبراهيم ثم أرادوا الأخذ في البناء فجزؤوا الكعبة قواعد إبراهيم أصلا صخور أسفل الكعبة أسفل جدران الكعبة صخور بعضها اخذ في بعض كأسنمة الإبل لما بنيت في عهد عبد الله بن الزبير في الاسلام وصلوا الي هذه الصخور و أرادوا أن يستمروا في الحفر تحتها فحاولوا قلع هذه الصخور فارتج المكان فتركوها علي ما هي عليه و شهد العدول بهذا الأس و هذا الأس اكبر من مساحة الكعبة الحالية قواعد إبراهيم عليه السلام اكبر من مساحة الكعبة الحالية فيها جزء من حجر إسماعيل و بناها عبد الله بن الزبير علي هذا الأس إلا انه لما قتل و أمر عبد الملك بن مروان الحجاج أن يعيد بناء الكعبة أمره أن يردها الي ما كانت عليه فظل جزء الحجر خارج الكعبة و ذلك أن قريش قصرت بهم النفقة كما لعله يأتي قال حتي وصلوا الي قواعد إبراهيم ثم أرادوا الأخذ في البناء فجزئوا الكعبة و خصصوا لكل قبيلة جزء منها فجمعت كل قبيلة حجارة علي حدي و اخذوا يبنونها و تولي البناء بناء رومي اسمه ياقوم او باقوم و لما بلغ البنيان موضع الحجر الأسود اختلفوا فيمن يمتاز بشرف وضعه في مكانه و استمر النزاع أربع ليالي او خمسة و اشتد حتي كاد أن يتحول الي حرب ضروس في ارض الحرم حرب شديدة إلا أن أبي أمية بن المغيرة المخزومي عرض عليهم أن يحكموا فيما شجر بينهم أول داخل عليهم من باب المسجد هي أبواب