الصفحة 41 من 63

ظن عبدي بي» الحديث [1] .

المعنى الرابع: حضور القلب:

قال الله تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36] . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» الحديث [2] .

إذًا فالقلوب ثلاثة [3] :

وهو ذلك القلب السليم الذي استنار بنور الإيمان، وانقشعت عنه حجب الشهوات وأقلعت عنه تلك الظلمات [4] ، وخلصت عبوديته لله تعالى إرادة ومحبة وتوكلًا وإنابة وإخباتًا وخشية ورجاء، إن أحبَّ أحب في الله، وإن أبغضَ أبغض في الله، وإن أعطَى أعطى لله، وإن منعَ منع لله.

قلب استنار بنور الإيمان وأوقد فيه مصباحه، لكن عليه ظلمة الشهوات وعواطف الأهوية، فللشيطان إقبال وإدبار ومجالات ومطامع ومداخل. وتختلف أحوال هذا الصنف بالقلة والكثرة، فمنهم من أوقات غلبته لعدوه أكثر، ومنهم من أوقات غلبة عدوه له أكثر، ومنهم من هو مذبذب تارة وتارة، إما إلى السلامة أدنى، أو إلى العطب أدنى؛ لأن فيه داعيين: داع يدعوه إلى الله والآخرة، وداع يدعو إلى العاجلة, وهو إنما يجيب أقربهما منه بابًا وأدناهما إليه جوارًا.

قلب خالٍ من الإيمان وجميع الخير, قلب مظلم قد أراح الشيطان من إلقاء الوساوس إليه؛ لأنه اتخذه بيتًا، وتحكم فيه بما يريد، وتمكن منه غاية التمكن، وهو قلب الكافر والمنافق، حيث إن الدنيا تسخطه وترضيه، ومخالطة صاحب هذا القلب سقم ومعاشرته سم ومجالسته هلاك.

وهناك [5] علامات لمعرفة هذه القلوب، فالقلب الميت تمكن منه الشيطان وانتهى صاحبه, أما القلب الحي السليم, فإنه يرتحل عن الدنيا حتى ينزل بالآخرة؛ بعكس القلب المريض، آثر حب الدنيا واستوطنها حتى صار من أهلها كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عمر رضي الله عنه: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ... » الحديث [6] . إن الفتن التي تعرض على القلوب هي أسباب مرضها، وهي فتن الشهوات والشبهات، فالأولى توجب فساد القصد والإرادة. والثانية توجب فساد العلم والاعتقاد، فالطاعات كلها لازمة لحياة القلب، والمعاصي كلها سموم للقلب وأسباب لهلاكه ومرضه، وهي

(1) رواه البخاري.

(2) رواه البخاري ومسلم.

(3) الوابل الصيب.

(4) تزكية النفوس.

(5) تزكية النفوس.

(6) رواه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت