[سورة آل عمران: 179] ترك الجزاء هنا مجملا موصوفا بالعظم ليثير في النفس أشواق المتشوف إليه، ولكن الله سبحانه فصل لنا ثواب التقوى بعد ذلك في كثير من آيات كتابه المبين، والمتأمل فيها يدرك إنه سبحانه جعل للتقوى ثوابا في الدنيا وثوابا في الآخرة، وأنه منه الحسي المادي: تشهده الحواس وتنعم به، والمعنوي الروحي: تشهده الروح، وتسعد به النفس، ويغنم به الفكر.
فثواب التقوى في الدنيا: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}
[سورة الأعراف: 96] ، وثوابها في الآخرة: {لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [سورة آل عمران: 15] ، وهذا هو الثواب الحسي المادي، أي المتقوَّم في ذوات تدرك بإحدى الحواس، أما الثواب المعنوي الروحي فمالي إلا أن أذكرك بآياته، فهو فوق كل بيان بشري مرهوب: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [سورة آل عمران: 76] . فمن ثواب التقوى حب الله لعبده، وما بعد حب الله ثواب في الدنيا والآخرة! ولا أمل تتشوف إليه روح المؤمن الشهيد! وهو ليس بالحب الذي يُولي الجميل والنعمة مرة أو مرات ثم يقطع جوده وفيضه، بل هو حب يعد المتقين بأن الله دائما معهم: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [سورة النحل: 128] ، أما الثواب الذي تسعد به النفس: {فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [سورة الأعراف: 35] . اطمئنان رضىُّ الآمال، رفاف البشائر إلى المستقبل، وذكريات تثير في النفس الرضي عن الماضي، والنفس ـ بين اطمئنانها ورضاها ـ صفاء