{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [سورة المائدة: 49] . يحث بها الله الحاكم الإسلامي على الحكم بما أنزل الله، ويوجب عليه الحكم به بين المتخاصمين، دون أن تكون له غاية من حكمه إلا ابتغاء وجه الله بتثبيت سلطان الحق، وإعلاء شأن العدل، مع الحذر الشديد البالغ من أن يفتنه أحد طرفي الخصومة، فيصرفه بالفتنة عن الحق، أو الحكم بالعدل، فقد يكون أحد المتخاصمين ذا جاه، أو حسب ونسب، أو ممن لهم بالحاكم صلة، وقد يكون من سحرة البيان، وشياطين الجدال، أو من المرائين بالتنسك والوقار، فيجب على الحاكم أن يحذر فتنة هؤلاء، وأن يكون شديد اليقظة لمداخل الفتنة، ومساربها حتى لا تتسرب في غفلة إلى قلبه، فتصرفه عما أنزل الله إليه، وما يحب الله للحاكم أن يصرفه صارف عن بعض ما أنزل الله ليحكم به في قضايا الدين والحياة.
{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [سورة النساء: 105] إيجاب على الحاكم أن يكن نافذ البصيرة في تدبر القرآن والسنة، وأن يظل الحياة كلها، منفذا لأحكامها، مقيما حدودهما على مستحقيها، فالكتاب حق نزل بالحق من الحق العلي الكبير، ومن نزل عليه الله الكتاب ـ وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم - ـ علمه الله سبحانه، واراه كيف ينفذ أحكام الشريعة الإسلامية، ويطبقها تطبيقا صحيحا حكيما عادلا، فكانت السنة ـ قولا وعملا ـ من الله وحيا وتعليما، فالحاكم بالسنة مع الكتاب إنما