فيوض جوده، وهو وحده العليم بما يقيمنا، ويصلح لنا الدين والدنيا، ويكفل لنا السعادة في الحياة الأولى، والحياة الآخرة، فيستحق الله وحده بهذه الربوبية أن نعبده بما شرعه هو سبحانه، إذ لا يشركه أحد في تلك الربوبية، وما اشد العجب من أولئك الذي يتعشقون ذل التبعية للعبيد، ويستنكفون عن عزة التبعية لله رب السماوات والأرض سبحانه!!
للنفس البشرية عواطفها ومنازعها، ولكل فرد بيئة يعيش فيها، ولكل بيئة تاريخها وخصائصها واتجاهاتها في الحياة، وتجاوبها بالمشاعر والوجدانات مع الوجود، ولها أفراد تصور لهم أوهام عشاقهم صور النساك والقديسين، وتكسوهم الخيالات بوشى الأساطير، وتوشيهم العواطف بسحر الفتنة، فإذا هم محاريب القلوب عند المحبين، ومعابد الفكر عند المفتونين، وإذا هم لتلك البيئة أرباب وآلهة، وينشأ الفرد في بيئته، ويصله بما فيها ومن عليها حاجة النفس والقلب والحياة، فتفرض عليه البيئة سلطانها الجبار، فيسلك ما تسلك هي من سبيل، ويتخلق ويتدين بأخلاقها ودينها، ويقيس الأمور وينظر إلى الأشياء بمقاييسها ونظراتها، فلا يصنع هذا الفرد في تاريخ تلك البيئة إلا قصة هي في بدئها ونهايتها ككل ما طوى التاريخ من قصص أشياع بيئته الذاهبين. ولكن الإنسان الحر الذي يأبى أن تستعبده الأوهام، والشاعر بوجوده، وقيم ذاته، والذي يأبى أن يفنى وجوده ويمحو ذاته في وجود الآخرين وذواتهم ـ هذا الإنسان ـ يأبى أن يُطفئ بيده ما أودع الله فطرته من نور يميز به بين الخبيث والطيب، وبين الشر والخير،