ويأبى أن يعطل ما منحه الله من عقل يفصل به بين الحق والباطل، فيستعلى بهذا على العبودية للعبيد، ويسمو بكرامته أن تنحط بها التبعية لبشري مثله، لا يميزه إلا شهوات تصرف دنياه، وأوهام تسيطر على فكره، ويزعم لها أنها إلهام من نور الحقيقة، وكذلك يأبى الحر الشاعر بإنسانيته وكيانه الذاتي أن يكون إمعة ساقط الهمة يقود حطامه الظن الذي جسده له الشيطان في هيكل ولي، وبهذا يتعالى بالصدق عن بيئته، ويوجه الفكر إلى الحق، والنفس إلى الهدى، والأخلاق إلى الخير، والحياة إلى الجهاد في سبيل ذلك كله، فيسجل في تاريخ بيئته سيرة البطولة، وقصة العبقرية، والحرية الفكرية الملهمة من اليقين، والاستشهاد النبيل الكريم في سبيل المثل العليا، في سبيل الإيمان الذي حماه من الطاغوت ثم حلق به فوق ما تستشرف النفس المؤمنة من آفاق السمو والجمال. ولا يكفيه أنه حطم القيد عن نفسه، ودمر الأغلال التي كانت تمسك به عبدا ذلولا للعبيد، بل إنه يمضي جبار القوة رحيمها، يحطم القيود الظالمة والأغلال الطاغية عن الأسارى الآخرين سجناء الأوهام.
ذلك ما تهدي إليه الآية الكريمة في تحذيرها ونهيها عن"اتباع الأولياء من دون الله"، تريد من كل فرد أن يكون بنفسه لله وليا، وأن يسمو ذاته عن ذل التبعية لبشر مثله، وأن يكون هو بقوله وعمله واعتقاده البطل الذي يقود إلى الحق، لا الإمعة التي تقاد إلى الباطل، وأن يمحو عن فكره غشاوة التقليد، ونزعات التأليه للبشر.
وبهذا تقوم الشريعة الإسلامية ذات الفرد تقويما كريما ساميا يربيها على الرعاية لكرامتها، والعمل لما فيه عزتها، ويثبت في قرار يقينها