فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 194

إن أبعاد الهيمنة العالمية لأميركا كبيرة على نحو معترف به، ولكن عمقها قلي ـل، وم? ح ـ دد بتقييدات داخلية وخارجية على حد سواء. فالهيمنة الأميركية تتضمن ممارسة نفو ذ حاسم، وإن لم يكن هذا النفوذ عمومًا، نوعًا من السيطرة المباشرة، على غرار م ـا ك ـان علي ـه الأم ـر ف ـي الإمبراطوريات السابقة. فالحجم الكبير والتنوع في أوراسيا، وإلى جانب ق ـوة بع ـض دوله ـا، يحدان من عمق النفوذ الأميركي، ومن حجم السيطرة الأميركية على مجرى الأح ـداث. فه ـذه القارة الكبيرة جدًا، والكثيرة السكان، والمتنوعة الثقافات، والمؤلفة من عدد كبي ـر م ـن ال ـدول الطموحة تاريخيًا، والنشيطة سياسيًا لا يمكنها أن تذعن حتى لقوة عالمية مهم ـا كان ـت ناجح ـة اقتصاديًا أو بارزة ومتفوقة سياسيًا. وإن هذا الشرط يشجع على المهارة الجيواستراتيجية، وعلى النشر المعتنى به، والانتقائي، والمدروس جيدًا لموارد أميركا على رقعة ال ـشطرنج الأوراس ـية الكبيرة جدًا.

وإنه لصحيح أيضًا أن أميركا التي تمارس الديمقراطية في ال ـداخل لا يمكنه ـا أن تك ـون مستبدة في الخارج. فإن ذلك يح ?د من استخدام القوة الأميركية، ولا سيما قدر تها عل ـى التروي ـع العسكري. ولم يحدث قط من قبل أن استطاعت ديمقراطية شعبية أن تحقق سيادة دولية. ولك ـن السعي إلى اكتساب القوة ليس هدفًا يستقطب العواطف الشعبية إلا في شروط الخطر المفاجئ أو التحدي لمشاعر الناس إزاء الرفاه الداخلي. فنكران ال ـذات اقتصاديًا (أي الانف ـا ق ال ـدفاعي) والتضحيات البشرية (الإصابات حتى بين الجنود المحترفين) التي يحتاج إليها الجهد المبذول في هذا المجال ليست متناغمة مع الغرائز الديمقراطية. فالديمقراطية بحد ذاتها ه ـي غي ـر ملائم ـة للتعبئة الإمبريالية.

وفض ًلا عن ذلك، فإن الكثير من الأميركيين لا يجندون ولا يشعرون بالتعاطف م ـع وض ـع بلادهم الجديد بوصفها القوة العظمى العالمية الوحيدة. وإن"الفرحة"السياسية المتعلقة بانت ـصار أميركا في الحرب البارجة تلقى استقبا ًلا باردًا، وقد كانت أيضًا مدعاة لشيء من السخرية م ـن قبل المعلقين ذوي التفكير اللبيرالي. وفي الواقع، فثمة و جهتا نظ ـر محتلفت ـان إزاء م ـضامين الموقف الأميركي الراهن ونجاح اميركا في التنافس مع الاتحاد السوفييتي ال ـسابق وهم ـا، أي وجهتا النظر هاتان تثيران عواصف على الصعيد السياسي: فمن ناحية نجد وجهة النظر القائل ـة إن انتهاء الحرب الباردة هو مبرر هام لخفض الاشتباك العالمي لأميركا مع الأحداث، وبغ ـض النظر عن النتائج على هذا الموقف العالمي لأميركا؛ ومن ناحية ثانية، نجد وجهة الن ظر الأخرى القائلة إنه حان الوقت لتعددية دولية حقيقية، والتي يحب فيها على أميركا أن تتخلى عن بع ـض سيادتها. وقد استقطبت كلا هاتين المدرستين ولاء وتأييد نخبة أو جمهور ملتزم.

إن ما يعقد الأزمات التي تواجه القيادة الأميركية هو التغيرات في طبيعة الوض ـع ال ـدوليذاته: فالاستخدام المباشر للقوة يميل الآن إلى أن يكون مقيدًا بدرجة أكبر مما ك ـان علي ـه ف ـي الماضي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت