فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 194

وليس أي أوروبا، بل أوروبا عبر الأطلسي التي يتوسع فيها الاتحاد الأوروبي وحلف الأطل ـسي (الناتو) . وأن أوروبا هذه تتشكل الآن، كما رأينا في الفصل الثالث من هذا الكتاب، ومن المحتمل أيضًا أن تبقى مرتبطة على نحو وثيق بأميركا. وهذه هي أوروبا التي يج ـب أن تق ـيم روس ـيا علاقة معها، إذا أرادت أن تتجنب عزلة جيوبوليتية خطيرة.

وبالنسبة إلى أميركا فإن روسيا ضعيفة جدًا إذا أرادت أن تكون شريكًا، ولكنها تبقى قوي ـة جدًا إذا أرادت ببساطة أن تكون مريضًا تعن ى به أميركا. ويحتمل أن تصبح مشكلة بحد ذاتها، ما لم ترعى أميركا وضعًا يساعد على إقناع الروس بأن الخيار الأفضل لبلادهم هو تقوية العلاق ـةالعضوية مع أوروبا عبر الأطلسي (أوروبا الأطلسية) . وبالرغم من أن التحالف الروسي الصينيالطويل الأمد و التحالف الاستراتيجي الروسي الإيراني غير محتملين، ف ـالمهم ب ـشكل واض ـحلأميركا هو أن تتجنب السياسات التي يمكن أن تبعد روسيا عن الأخ ـذ بالخي ـار الجيوب ـوليتياللازم. وضمن المدى الممكن، يجب بالتالي، أن تصاغ العلاقات الأميركية بالصين وإيران م ـع إبقاء تأثيرها في الحسابات الجيوبوليتية الروسية في الذهن. وعمومًا ف ـإن اس ـتمرار الأوه ـام الخادعة المتعلقة بالخيار ات الجيواستراتيجية الكبيرة، لا يمكنه إلا تأخير الخيار التاريخي ال ـذي يجب على روسيا أن تأخذ به لكي تنهي الضيق العميق الذي تعاني منه.

إن روسيا التي ترغب في قبول الحقائق الجديدة عن أوروبا، س ـواء أكان ـت اقت ـصادية أم جيوبوليتية، هي وحدها التي ستكون قادرة على الاست فادة داخليا من الحج ـم الموس ـع للتع ـاون الأوروبي عبر الأطلسي في التجارة والاتصالات، والتوظيف الم ـالي، والثقاف ـة. وإن اش ـتراك روسيا في مجلس أوروبا سيكون خطوة جيدة في الاتجاه الصحيح. وسيكون ذلك دلال ـة عل ـى الارتباطات المؤس سية الأخرى بين روسيا الجديدة وأوروبا المتنامي ة. ويقتضي ذلك أيضا أنه إذا اتبعت روسيا هذه المسلك، فلن يكون أمامها أي خيار غير أن تحاكي، في نهاية المطاف، المنهج التي اختارته تركيا ما بعد العهد العثماني عندما قررت هذه الأخيرة أن تتخلى ع ـن طموحاته ـا الإمبريالية وتسير متعمدة على طريق التح ـدث والأخ ـذ ب ـالنهج الأ وروب ـي، والتح ـول إل ـى الديمقراطية.

لا يمكن لأي خيار آخر أن يقدم إلى روسيا الفوائد التي يمكن أن تقدمها أوروب ـا الحديث ـة، والغنية والديمقراطية المرتبطة بأميركا. فأوروبا وأميركا لا تشكلان خطرًا على روسيا عن ـدما تكون دولية ديمقراطية وليس لديها نزعة قومية توسعية. وليس له ـاتين الق ـارتين، أي أوروب ـا وأميركا أطماع اقليمية في روسيا، على غرار ما وجد لدى الصين في يوم م ـا، ولا ت ـشتركان معها في حدود غير آمنة أو يحتمل أن يسودها العنف في أي وقت، والأمر يختلف بالتأكيد عم ـا هو عليه الحال بالنسبة إلى روسيا وحدودها غير الواضحة اتنيًا وإق ليميًا (بريًا) مع الدول المسلمة في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت