إن الجمع بين المجال الجيوبوليتي العالمي والطابع العالمي المزعوم للعقائد المتنافسة أعطى الصراع شدة غير مسبوقة. ولكن عام ًلا إضافيًا، ومشربًا أيضًا في المضامين العالمية، جعل هذا الصراع فريدًا من نوعه فع ًلا. فقد عنى ظهور الأسلحة النووية أن أي حرب قادمة، حتى ول ـو كانت من النوع الكلاسيكي، بين المتصارعين الرئيسيين لن تؤدي إلى تدمير متب ـادل فح ـسب / ولكن يمكن أن تؤدي إلى نتائج مميتة لجزء هام من البشرية كلها، وهكذا أخضعت شدة الن ـزاع في الوقت ذاته إلى قيود ذاتية استثنائية فرضها كلا الطرفين المتزاحمين.
وفي المجال الجيوبوليتي، كان النزاع يش? ن غالبًا في المناطق المحيطية من أوراسيا ذاته ـا. وقد سيطرت الكتلة الصينية السوفييتية على معظم أوراسيا، دون أن تفرض هذا السيطرة عل ـى المحيطات (الأطراف المحيطية) لهذه الكتلة. نجحت أميركا الشمالية في التوض ـع عل ـى ك ـ لا الشاطئين الغربي الأقصى والشرقي الأقصى للقارة الأوراسية الكبرى. وإن الدفاع ع ـن رؤوس الجسور القارية هذه (الممثل على"الجبهة"الشرقية بحصار برلين وعلى الجبهة الشرقية ب ـالحرب الكورية) كان بالتالي، أول اختبار استراتيجي لما أصبح يعرف بالحرب الباردة.
وفي المرحل ة الأخيرة من الحرب الباردة ظهرت جبهة دفاعية ثالثة، هي الجبهة الجنوبي ـة، على خريطة أوراسيا. وقد أدى الغزو ال سوفييتي لأفغانستان إلى تسريع الرد الأميركي المزدوج الذي تمثل بالمساعدة المباشرة للمقاومة الوطنية في أفغانستان بغية إغراق الجيش ال سوفييتي ف ـي المستنقع الأفغاني؛ وفي البناء الواسع النطاق للوجود العسكري الأميركي في الخليج [الفارس ـي] بوصفه رادعًا لأي عملية نقل أخرى نحو الجنوب للقوة السياسية أو العسكرية السوفييتية، وهكذا التزمت الولايات المتحدة بالدفاع عن منطقة الخليج [الفارسي] ، وذلك على نحو مماثل للدفاع عن مصالحها الأمنية الأوراسية الغربية والشرقية.
كان الاحتواء الناجح من قبل أميركا الشمالية لجهود الكتلة الأوراسية بغية تحقيق تسلط فعال على أوراسيا كلها، وفي ضوء ارتداع كلا الجانبين حتى النهاية عن القيام بأي صدام ع ـسكري مباشر خشية اندلاع الحرب النووية، قد عنى أن نتيجة الصراع ستقرر في نهاية المطاف بوسائلغير عسكرية وبالتالي فإن الحيوية الساسية، والمرونة الأيديولوجي ـة، وألدينامي ـة الاقت ـصاديةوالإغراء الثقافي، أصبحت كلها الأبعاد الحاسمة.
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ